لعل الصخب الذي خلفه صدور الجزء الرابع الذي أعدته الشاعرة رشا عمران من انطولوجيا الشعر السوري- والذي بشهادة أكثر الناس حيادا كان هو الأفضل بين الأجزاء الأربعة- قد غطى بهديره على الانطولوجيا نفسها، لدرجة ظننا معها أنه ليس هناك ثلاثة أجزاء أخرى. حتى ما كتب في الصحافة كان في أغلبه منذورا ضد ذلك الجزء، في حين أن الأجزاء الأخرى وكما يظهر لم تلقى الحفاوة والنقد والتدقيق والقراءة من قبل المهتمين بشأن الشعر السوري، ولعل الأجزاء الثلاثة الأخرى بحاجة إلى تسليط الضوء عليها وذلك لأنها تحمل بين دفتيها أكثر من نقطة تستحق الوقوف عندها، لأنها تعكس أمزجة معديها ورؤاهم الشخصية الضيقة.
وحتى على مستوى الكتابة الصحفية عن الجزء الرابع كان هناك كما أعتقد بعض التحامل الذي وصل إلى حد التجريح من قبل البعض بحق المعدة والانطولوجيا نفسها، ولنقل ذلك بكل وضوح، وهذا يدل على نوع من إدخال الحالة الإبداعية في شرك المواقف الشخصية التي لن نخرج منها إلا ونحن نعاني أزمة ثقافية.
وفي الكفة الأخرى، كان هناك لوم حاد وجه إلى من قام بإعداد هذه الانطولوجيا-الجزء الرابع-، ولعل البعض لا يدرك الصعوبات التي تواجه أي عمل توثيقي من هذا النوع.
الأجزاء الأخرى حملت أسئلة لا تخلو من الأهمية بالإضافة إلى مغالطات وأخطاء لا تحصى، مع فارق بسيط هو أن كيل الاتهامات كان نادرا، وهنا نطرح سؤالا لا بد منه، هل لأن أغلب الأسماء التي ذكرت فيها لم تعد موجودة بيننا في الوقت الحالي أم أن من بقوا على قيد الحياة منهم قد تجاوزوا كل هذه الترهات التي تصاحب صدور أي عمل توثيقي.
ولعل أخبث ما وجدته في طيات الجزء الثالث هو الإهداء الذي يحمله هذا الجزء الذي قام بإعداده منذر المصري، حيث يقول:"
إلى الشعراء الذين سيبحثون عن أسمائهم في هذا الكتاب ولن يجدوها.."،الذي يحمل في داخله الكثير من التملق والإستسخاف بالذين لن يجدوا أسمائهم وكأن هذا الإهداء هو بيان بأنه قام بإقصاء وإلغاء عدد من الأسماء الشعرية عن سابق القصد والإصرار.
يناقش هذا الجزء بعضا من الإشكاليات التي تواجهها الشعرية السورية على العموم وشعراء جيل السبعينات على الخصوص وبشكل سطحي ومبتذل، فهو يناقش في الوقت نفسه مصطلح" جيل السبعينات" والاعتراضات التي تواجه هذا المصطلح بدون أن يزيد شيئا على معرفة المهتم بهذا الشأن، وكأنه يقوم بتصفية حساباته الشخصية مع بعض الأسماء الشعرية وتمجيد بعض الأسماء الأخرى وإعطائها شأنا عظيما والإسهاب في سيرتها الذاتية وعلى سبيل الذكر لا الحصر
"نزيه أبو عفش"، فهو يسرد مواهبه ويذكر اسم زوجته إلى جانب مواهب أولاده دون مبرر أو معنى، كأن المصري نسي قياس ألبسة ونمرة حذاء شاعره العظيم أبو العفش ذاك.
ولعل تسمية الجزء الثالث ب" انعطافة السبعينات" كانت تسمية مثيرة ولها وقعها الخاص من ناحية العنونة فقط، أما الآليات التي شكلت هذه الانعطافة وكيفية تبلورها فلم نجدها بين طيات الجزء الثالث لسوء طالع الشعر السوري المسكين، إلى جانب ما ذكرت لا يتوانى المصري عن كيل الاتهامات لبعض الأسماء المدرجة ضمن الكتاب، كما أنه يريد أن يقنعنا بكلامه ومدى تفرد عبقريته في الرؤية والشعر إلى درجة لا يتردد معها في لصق اتهامات قاسية لعدد من القامات الشعرية المهمة، ( نعم لقد سبق وحضرت عدداً لا بأس من تلك الأمسيات الشعرية الصاخبة ل(عمران وعدوان وكنعان) وسواهم، ورأيت كيف يشرئبون ويتمايلون ويشيرون بأيديهم وهم على المنابر وتحت الأضواء الساطعة يتلون قصائدهم وكيف كان الجمهور يشرئب ويتمايل ويدوخ مأخوذا بقوافيهم وإيقاعاتهم. هذا الجيل الذي أعطى واحدة من أشد الأمثولات التباساً لحالة تماهي الشعراء مع السلطة).ص19-20
حاول المصري الاستعانة ببعض المراجع من أجل إضاءة عمله الذي ظل رغم ذلك بحاجة إلى إضاءات إضافية من قبل مختصين لكي تساعد المهتمين في فهم ما قام به شعراء جيل السبعينات.
أعتقد أنه كان من الممكن أن تكون انطولوجيا كهذه وثيقة مهمة ومرجعا أساسيا إذا بذل لها الجهد الكافي والمطلوب وبنفسية نقية خالية من الشوائب والتحيزات الشخصية الضيقة.
عموما يضم الجزء الثالث ستة وعشرين شاعرا وشاعرة وهم : حامد بدرخان، محمود السيد، بركات لطيف، دعد حداد، محمد سيدة، فيصل خليل، عادل محمود، فايز مقدسي، عائشة أرناؤوط، بندر عبد الحميد، عماد جنيدي، محمد خير علاء الدين، فؤاد كحل، زهير غانم، منذر مصري، حسان عزت، محمد مصطفى درويش، إبراهيم الجرادي، سليم بركات، فرج بيرقدار،
مروان صقر، عبد القادر حصني، رياض الصالح الحسين، هادي دانيال، بيان الصفدي، نزيه أبو عفش.
نشرت كذلك في شرفات العدد 70 الاثنين 15 شباط 2010