حال البلد - رئيف خوري المنوّر الموسوعي

حال البلد

لافتة إعلانية
10
Dec

رئيف خوري المنوّر الموسوعي

في النظرية الادبية عند رئيف خوري:

يعتبر رئيف خوري رائد الواقعية كنهج نقدي في الممارسة النظرية والادبية العربية. والواقعية عنده "تغدو منظورا جماليا يحقق في اطار الممارسة الادبية ما كانت تحققه الماركسية في مجال الممارسة الفكرية والاجتماعية والسياسية". (1)


ان فهم رئيف خوري لنظرية الادب يتصل بالوظيفة الاجتماعية للأدب، من خلال توجهه الى الكافة، فالادب يجب ان يكون انعكاسا للهموم والمشكلات الرئيسية التي تعيشها الكافة موجها لها وموجَّها لها.

هذه العناصر الرئيسية التي ترتكز عليها رؤية رئيف خوري النظرية، تتصل بشروط انتاج الادب لا بخصائصه الداخلية، أي انها تقف عند حدود مبادئ تعليل شروط تحقق النص كخطاب موجه الى الآخر، دون العناية باصنافه ومعاييره وقوانينه الناظمة لبنيته للولوج الى نظام الخطاب". (2)

ان تمركز رئيف خوري في اطروحته النظرية حول شروط انتاج النص وتفسيره، ضيّق من حدود الوظيفة الاجتماعية للادب، وفتح فيها ثغرات لمهاجمتها كما فعل طه حسين، حين هاجمها بتهمة الاذعان لسلطة الايديولوجيا والسياسة. (3) ورئيف خوري في فهمه للنظرية الادبية على انها ذات وظيفة اجتماعية كان يصدر عن منحى "بيداغوجي" عماده سلطة القارئ لا سلطة المتكلم. و"سلطة القارئ تعني الكافة، التي سلطتها من خلال التزام الكاتب بهمومها ومعاناتها فقد حق عليه التوجه اليها وتوجيهها". (4) فالسلطة ليست السلطة السياسية بل السلطة المعرفية التي تفترضها علاقة الاندماج بين الكاتب والشعب. وهذه العلاقة التوجيهية تتحد بعناصر ثلاثة:

- صقل الذائقة الفنية التي تتذوق الجمال.

- صقل الباصرة التي تسبر المعرفة وتطمح الى فهم الكون والتحكم فيها.

- صقل الارادة التي تتطلب حرية واستقلالا للوطن، او عدلا اجتماعيا للمواطنين، وسحقا للاستعمار في اية صورة، ولحروب النهب والفتح والاستعباد، وتبتغي سلما وثقافة ورفاهية للانسانية". (5)

ورئيف خوري لم يصل الى هذه المفاهيم صدفة، انما بالتجربة، فهو في مساره الادبي جسّد تحولات ثلاثة حدثت في مسار الفكر العربي النهضوي في سعيه للوصول الى قطيعة مع الوعي اللاهوتي. هذه القطيعة التي لم تكن تتم الا في الوعي الاجتماعي الذي ساهمت فيه صياغته في عالمنا العربي الماركسية. ففي تحقيق هذه القطيعة بدأ رئيف خوري تجربته من أكاديمي ليبرالي، تشهد على ذلك كتاباته في بداية انتاجه (امرؤ القيس/ عمر بن ابي ربيعة/ بعض القصص والتمثيليات). ثم تحول الى دمقراطي ثوري يرتبط بنضال القوى الشعبية، وتجلى ذلك في مسرحيته (ثورة بيدبا) وفي كتابه (جهاد فلسطين). وبفعل صلته كمثقف دمقراطي ثوري يعيش تطلعات شعب، انتمى الى قواه الاجتماعية الطليعية متوجا مسيرته الفكرية ببلوغ الوعي الماركسي كرؤية وممارسة وموقف، وقد تجلى هذا التحول في كتاباته الاخيرة.

"ومع هذه النقلة الموضوعية من اطار الموقف الدمقراطي الثوري العام الى الماركسية، تلج الماركسية عالم الادب العربي صائغة رؤية متكاملة ومنظورا منسجما، ومنظومة منهجية للواقعية في نظرية الادب مكرسة رئيف خوري رائد هذه المدرسة" . (6) وفي ريادته لمدرسة النهج الواقعي في نظرية الأدب يحمّل رئيف خوري

القلم مسؤولية كبيرة، يحددها بالمسؤولية الاجتماعية والكشف عن الحقيقة واستقلالية الحقيقة عن حقائق السلطة. وعلى الكاتب الملتزم بهذه المسؤولية، أي بمسؤولية القلم الاجتماعية، ان يتحلى بخصائص ثلاث هي: ان القلم الاجتماعي فعل ارادة حرة ومحبة لما يلتزم وانه فعل عن معرفة، وانه فعل مستقل. (7) والالتزام او الادب الملتزم في رؤية رئيف خوري النظرية معناه "ان يعطي الادب الناس والاشياء معنى ويساعد على اعادة خلق الناس خلقا جديدا في الارادة والتوق الانسانيين. ويتجسد من بعد بخلق في الواقع، يحققه البشر بالنضال الدائب البصيرة" (8).

والالتزام عند رئيف خوري يعني الكتابة عن آلام البشرية وشقائها ومحاولة اخراج هذه البشرية من آلامها. لذلك هو ينبذ مذهب الفن للفن لانه في رأيه وهم او مسعى يراد به تحويل الهم الفني عن مشابكة الشؤون الاجتماعية الحساسة، كما انه ينتقد اشياع المذهب الطبيعي "هيبوليت تين" الذين رضوا بالوضع الطبيعي الراهن أي المجتمع الطبقي الاستثماري الظالم والذين يزعمون ان الفن ليس من عمله ان يستقبح او يستنكر او يستحسن. (9) كما ينتقد الرومانسيين في هربهم من المجتمع الى الطبيعة وفي نقضهم المدنية، لانه لا يرى في المدنية اصل الشر كما رأى الرومانسيون، انما اصل الشر بعض انظمة واوضاع تسخر نعيم المدنية وفوائدها لاقلية ضئيلة من المجتمع وتحرم منها جمهور الشعب. (10) ويسخر ايضا من ادب اللاشيئية والمدارات المغلقة والطرق المسدودة.. الخ من هذه المتوالية، التي تبعد الاديب عن مجتمعه، فالادب الصحيح في رأي رئيف خوري يتلخص بـ: "الجرأة على مجابهة الواقع وبفهم العوامل التي سببت هذا الواقع وبتخطيط الطريق لازالة هذا الواقع وتبديله بواقع احسن منه، وبالمضي قدما في هذه الطريق بغير تردد حتى يتحقق القصد"(11). بالاضافة الى هذه العناصر اضاف الى مستلزمات الادب الصحيح عناصر الادب القومي التي تتضامر مع العمل السياسي من اجل قمع الاستعمار وصده ومحاربة الدس والتفريق والاستغلال الطائفي وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية وخلق النظام السياسي والاجتماعي الصالح الذي يجمع بين الحرية والدمقراطية والعدالة الاجتماعية، ثم اقامة التآخي والتعاون ومكافحة العدوان أينما وجد، وكي يصل الاديب الملتزم الى ذلك كله يشدد رئيف خوري على عامل الفهم والتخطيط، أي المعرفة كسلاح. والمقصود معرفة عناصر الادب المذكورة سابقا ومعرفة معناها العملي. فان مجرد التعلق بالقيم الفضلى في التعبير لا تعصم الاديب من الشطط في ممارسة مسؤوليته الكبرى ولا تدله بوجه عملي كيف يجعل ادبه وثيق الصلة حميم التفاعل بالطموح الشعبي الى العدل والحرية. (12).

على الاديب كي يصل الى المعرفة الصحيحة ان يفهم محتوى المجتمع المادي والمعنوي وقوانين الحركة داخل هذا المحتوى استنادا الى النظرة المادية الديالكتيكية. ان الادراك الصحيح للواقع الذي يعيشه الاديب ولامكانية تطويره حسب الظروف الموضوعية وحدهما يعصمان الاديب من الانخداع بالمظاهر ومن التفاؤل الاحمق ومن اليأس الأشد حمقا. وبفضلهما يستطيع الكاتب ان يميز بادراك واقعي وروح نضالية قوى البناء الناشئة وقوى الهدم المتقهقرة وان بدت غالبة. (13)

ويرى رئيف خوري ان الالتزام بقضايا الشعب يتطلب استخدام لغة تتجدد كل يوم، لغة الشعب نقيض لغة المعجمات والمحفوظات التي تؤول الى تيبس وتحنط. ولكن استخدام لغة الشعب لا يعني الادب الجاهز، ادب الشعارات، كما لا يعني اللجوء الى العامية، ولا يعني التقليل من اهمية الجمالية الفنية بحجة ايصال المعنى الثوري للجماهير. ان الادب الملتزم هو فعل خلق فردي بمادة اجتماعية، وكي تتحقق هذه الغاية وتتوافق الصفة الاجتماعية مع الصفة الفردية، على الاديب ان يعيش حياة منفتحة على مجتمعه ووطنه وقومه وشعبه وعصره، حياة يطلق فيها نوافذ نفسه للمؤثرات مما يحيط به ويحدث حوله ثم يشفع ذلك بحياة فيما بينه وبين نفسه فتكون له حياتان فيهما اخذ وعطاء على استمرار. حياتان مدمجتان في حياة واحدة هي حياة الاديب الاجتماعية الفردية. (14)

كي نتحقق مما ذكرناه سابقا وكي نشير الى اهمية فكر رئيف خوري، ارى من الضروري ان استعرض ثلاث مقالات له يفرغ فيها مفهومه للنظرية الادبية. والمقالات الثلاث نشرت بعد وفاته في كتاب "الادب المسؤول" (15) الاولى بعنوان "القلم مسؤول اجتماعي" والثانية "الاديب يكتب للكافة" والثالثة "ايها الاديب من انت".

1- القلم مسؤول اجتماعي: (16)

يتحدث رئيف خوري في هذه المقالة عن مسؤولية القلم فيقول ما مفاده:

القلم آلة الفطنة والعقل، ينغمس في القلب والدماغ ليؤدي عاطفة وفكرا، قبل ان ينغمس في الدواة ليخط حرفا وسطرا. والقلم كذلك مسؤول اجتماعي لانه يمس البشرية في النواحي الخطيرة، فهو يعرض مادة تباشر الادمغة والقلوب والعواطف والافكار فاذا اصلحت او احيت فانما تصلح وتُحيى قلوبا وادمغة كثيرة، واذا عوهت وقتلت فانما تعوّه وتقتل قلوبا وادمغة كثيرة، حتى اجل طويل. والكاتب لا يكتب لذاته لانه بمجرد ان يكتب او ينظم شيئا ليتلوه او ينشره فقد خرج فورا من نطاق نفسه ليتناول الناس بتأثير ما كتب او نظم، وهكذا يكون قد فعل فعلا اجتماعيا، فأصبح بذلك مسؤولا ايضا لدى نفوس غير نفسه، يعبر عن المها واملها وكدحها ونضالها. اصبح مسؤولا لدى مجتمعه، لدى شعبه، قومه، أمته، ولدى الانسانية جمعاء. ومن هذا المنطلق يهاجم رئيف خوري اشياع مذهب "الفن للفن" فيقول: كثيرون هم الذين ينكرون الصفة الاجتماعية فيما يكتبون وينظمون، فيحرصون على الانصراف الى المواضيع المنقطعة عن المجتمع، معتصمين بالابراج العاجية. رغم ذلك ظلوا يفعلون فعلا اجتماعيا، وذلك انهم حين يتنصلون من مسؤولية الاستعمار والثورة وحقوق العمال والفلاحين والمثقفين ويكتبون فقط عن المواضيع "الصافية" عن الحب وفراشات الربيع، كانوا في نفس الوقت يزوّغون الانظار عن المخاطر، وبذلك فعلوا فعلا اجتماعيا. فروا من مسؤولية اجتماعية ليجروا على انفسهم مسؤولية اجتماعية، وهكذا يصبح تنصلهم من مسؤوليتهم واعتصامهم. بجبل "الفن للفن" اشبه بموقف "نيرون" المخزي الآثم حين راح على مشهد الحريق في "روما" ينقر اوتار عوده تلبية للوحي الفني وطرب النفس الشاذة.

ثم يتساءل رئيف خوري: عن أي الاشياء يُسأل القلم؟ وكيف يسأل؟ فيجيب: القلم مرده الى الفطنة والعقل. وما دام العقل هو مرجع الانسان الذي اليه يحتكم بالنتيجة لمعرفة الحقيقة، فقد اصبح رأس الاشياء التي يسأل عنها القلم ان يصور الحقيقة. والحقيقة ليست واقع الحال وحسب، بل هي الحال ايضا كما يجب ان تكون في تصويرها سواء هي واقع الحال او ما يجب ان تكون يدخل في تصويرها الرأي، والرأي قابل للمؤثرات وهذا لا بأس به شرط ان يتخذ الرأي سبيلا للحقيقة ليس غير، لا لجر مغنم او جذب مكسب. من هنا على القلم المسؤول ان ينفي عنه اولا عامل الكسب، فذلك هو الشيء المبدئي لصحة الرأي ونزاهته.

والرأي لا يقام له وزن بمجرد انه رأي بل لكونه رأيا بُني على الدرس والاختبار. ويخلص رئيف خوري بعد هذا الحديث الى ان القلم مسؤول اجتماعي لانه مسؤول عن تصوير واقع الحال، وعلى ما ينبغي لها ان تكون. اما كيف ينهض بهذه المسؤولية فسبيله ان يدرس ويختبر وفق الاصول، حتى يتسنى له ان يصور الحقيقة، او ان يرى على الاقل رأيا يوقف عنده. ومسؤولية القلم ايضا في رأيه ان يذكّر السلطة الحاكمة بمسؤوليتها لدى الشعب والأمة والوطن. من هنا المنشأ الاساس والمعنى الاصيل لحرية القلم ومن هنا وجب ان يكون القلم حرا لا خلعا عن عاتقه للمسؤولية الاجتماعية بل تمكينا له ان يتمم هذه المسؤولية، بما فيها مسؤولية نقد السلطة الحاكمة وتذكيرها بمسؤولياتها. وليس صدفة ان تتعرض السلطة لحرية القلم الذي ينتقدها ولا تتعرض لحريته حين يتحدث عن الحب وعن فراشات الربيع والزهور، لذلك وبسبب هذه المسؤولية وقع الكثير ضحية على مذبح الحرية، حرية الفكر والكتابة، لانه قام بالمسؤولية لدى المجتمع والأمة والوطن والانسانية، "كابن المقفع" و "عبد الرحمن الكواكبي" وغيرهما.

ألاشارات

1- عبد الرزاق عيد: مدخل الى فكر رئيف خوري، عيبال، نيقوسيا، 1990 ص 45.

2- ن.م. ص 75

3- رئيف خوري: الادب المسؤول، الآداب، بيروت، 1968 مقالة طه حسين، الاديب يكتب للخاصة ص 104 وما بعدها.

4- عيد، مصدر سابق، ص 75

5- ن.م. ص 78

6- ن.م. ص 52

7- ن.م. ص 66

8- سماح ادريس: رئيف خوري وتراث العرب، الآداب، بيروت، 1968، ص 60

9- ن.م. ص 59

10- ن.م. ص 59

11- ن.م. ص 60-61

12- ن.م. ص 66

13- ن.م. ص 62

14- رئيف خوري، مصدر سابق، مقالة "ايها الاديب من انت" ص 145 وما بعدها.

15- خوري، مصدر سابق مقالة "القلم مسؤول اجتماعي" ص 44. ومقالة "الادب يكتب للكافة" ص 89، ومقالة "ايها الاديب من انت" ص 142.

16- خوري، مصدر سابق، ص 44 – ص 53

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا