حال البلد - ثلاث و أربعون عاماً على وفاة رئيف خوري

حال البلد

لافتة إعلانية
10
Dec

ثلاث و أربعون عاماً على وفاة رئيف خوري

      باستثناء جبران ونعيمه والريحاني، لم ينل أديب لبناني شهرة واسعة كالتي نالها رئيف خوري (1912 – 1967). فقد كانت الحياة الأدبية اللبنانية في خمسينات القرن الماضي تعجُّ بالأدباء الخلاّقين أمثال مارون عبود وسعيد عقل وتوفيق يوسف عواد ومحمد يوسف حمود وسعيد تقي الدين. لكن حين قدِم الأديب المصري الشهير طه حسين الى بيروت ليجيب عن السؤال: "لمن يكتب الأديب ألِلْكافَّة أم للخاصَّة؟" لم يجد منظّمو المناظرة غير رئيف خوري لمواجهة معرّي القاهرة. فما سر ذلك؟ وهل يعود الى ان جواب طه حسين كان جاهزاً سلفاً ومفاده ان الأديب يكتب للخاصة، و"لم يعد في الميدان إلا حْديدان"، بمعنى ان يكون المتناظر مؤمناً بأن الأدب للعامة. طبعاً، كان في بيروت أدباء آخرون ينتمون الى مدرسة الأدب الملتزم. لكن رئيف خوري كان حائزاً معطياتٍ أخرى، أحدها حصوله على شهادة النقاد والقراء كباحث وخلاّق أدبي وهو في العشرين من عمره، قبل نواله شهادة بكالوريوس الأدب العربي وتاريخ الدراسات الشرقية من الجامعة الاميركية البيروتية. المعطى الثاني ان التيار العروبي اليساري الذي شمل منظمي المناظرة، كان جارفاً عام  1955، وكان خوري يحتل رأس لائحة الأدباء اليساريين العروبيين في لبنان.


 قلائل من الباحثين الأدبيين اهتمُّوا ببدايات رئيف خوري، لعل أبرزهم الدكتور ربيعه أبي فاضل. لذلك، سوف تكون بداياته النثرية والشعرية محور هذه المقالة الخاصة لمناسبة مرور أربعين عاماً على رحيل رئيف خوري. لكن، لا بد أولا من إلقاء ضوء على سيرة صاحب الذكرى، وخصوصاً ان بعضها، كان له تأثير بالغ في أدبه.

 ولد في نابيه من اعمال المتن الشمالي، لكن جده الأعلى انحدر من جباب الحمر في جرود الهرمل الى المصيف الواقع بين بْرِمّانا وأنطِلياس. ثمة روايتان حول أصل الجد الأعلى وفصله، إحداهما تؤكّد ان جذور رئيف خوري تعود الى عشيرة الدّنادِشة الشهيرة والشديدة البأس.

 ثمة عبارة جاهزة يرددها الخطباء هي ان الأديب الذي يتكلمون عنه عاش في كنف بيت علم وأدب وثقافة. بالطبع، هذه العبارة لا تنطبق على كل الأدباء وفي طليعتهم جبران. لكنها غير "مْبَهْبطَة" على رئيف خوري الذي أتقن والده "نجم" الانكليزية وعلّمها لابنه، قبل ان يلحقه بمدرسة "الفرندز" في برمانا، وتالياً بالجامعة الأميركية في بيروت. لم تكن امه "ملكة نقولا حداد" أقل علماً وثقافة من المعلم نجم، فقد تخرجت في مدرسة صيدا الانجيلية للبنات التي أنشأها احد مؤسسي الجامعة الاميركية الدكتور كورنيليوس فانديك الى جانب مدرسة الصبيان حيث تعلم فارس الخوري الذي ترأس حكومة دمشق في النصف الاول من القرن الماضي.

 فور تخرجه عام 1932، مارس مهنة التدريس أسْوةً بأبيه، اولا في احدى مدارس طرطوس السورية، وثانيا في القدس، وبعدهما عاد الى لبنان في أواخر الثلاثينات ليتنقّل في أكثر من مدرسة، اللاييك البيروتية والكلية الوطنية في الشويفات والمدرسة البطريركية التي درس فيها خليل مطران.

 في النصف الثاني من ثلاثينات القرن الماضي، بدأت رحلته الحزبية. ولم تخل تلك الرحلة من مفاجآت، ابرزها انتماؤه الى حزب أنطون سعاده قبل ان "ينتمي" الى الحزب الشيوعي. في هذا الصّدد، يذكر احد قدامى الحزب وقادته، جبران جريج، في الصفحة 220 من كتابه "من الجعبة"، الجزء الاول: "لا بد من ذكر معلم الأدب العربي في معهد اللاييك في بيروت رئيف خوري الذي ما كاد يعرف بوجود الحزب السرّي حتى اعجبته الفكرة وانتمى اليه بالرغم من ميوله الشيوعية. وقد جاء عنه في احدى رسائل الزعيم – سعاده – ما يأتي: متخرج في الجامعة الاميركانية في أدب اللغة العربية. دخل الحزب سنة 1935 واراد تنفيذ بعض مآربه واغفال دستور الحزب وارادته العامة فأهمِل وطُرد:.

 اما المفاجأة الثانية، فرواها ربيعه ابي فاضل في الصفحة 292 من كتابه "في أدب النهضة والمهجر" نقلا عن محمد دكروب واملي فارس ابرهيم، اللذين أكَّدا "عدم انتماء رئيف خوري الى الحزب بشكل واقعي". هذا يعني أنه آمن بالماركسية ومارس العمل الحزبي كتابة وخطابة من غير ان يقسم اليمين. حالته النادرة والطريفة تشبه حالة الأديب والصحافي رشدي معلوف، والد الكاتب الفرنكوفوني أمين، الذي آمن بمبادىء سعاده ونشط في حزبه من غير ان يؤدي القسم المعهود.

 تميّز رئيف خوري في وصوله الباكر في معظم مشاريعه. دخل الجامعة الاميركية وهو في الخامسة عشرة. بدأ حياته الأدبية قبل بداية حياته الاكاديمية. لعل الشيء الوحيد الذي تأخر في إنجازه هو زواجه. فقد كان في الرابعة والأربعين حين تزوج من زباد انطونيوس فرح. بُعيد زواجه، أوصته العروس لشراء "كَرْكَرْ خيطان" ولما استغرب الدكَّنجي الأنطلياسي الطلب، لعلمه ان الاستاذ عازب، تلقى الجواب: "انا كل 44 سنة أتزوّج مرة"! في المناسبة، فان سرعة الخاطر وخفة الدم كانتا أصيلتين في صاحب الذكرى. على سبيل المثال، صدف وجود رئيف خوري في حفلة غنائية الى جانب الفنان الشهير إيليا بيضا الذي حضر للاستماع وليس للغناء. طلب العريف من بيضا المشاركة في الغناء فرفض. استعان برئيف الذي قال للفنان: يا استاذ لماذا كل هذا الغنج والدلال؟ اذا كنت ببيضة فنحن باثنتين!.

 المؤسف ان رئيف خوري الساخر الأصيل في حياته اليومية، كان يتجنب السخرية في كتاباته. كان الأديب اليساري الماركسي يحاضر مرة في "الندوة اللبنانية" وحين قرأ عبارة "اطلبوا العلم ولو في الصين"، خرج عن النص ليقول مرتجلا: "أؤخذ، فانا لا أقوم بالدعاية للصين الشعبية"!. وبدلاً من ان يحتل الصفحة الاولى من لائحة أدباء لبنان الساخرين، ومنهم صديقه و"رفيقه" عمر فاخوري، اكتفى بالكتابة عن بعضهم ونقل ما سمعه منهم. وتحت عنوان "ذيل لكتاب الجاحظ – من نوادر بخلاء لبنان"، نشر خوري مقالًا في "بيروت المساء" بتاريخ 15 ايلول 1947 ضمّنه ما سمعه من "ظريف أدباء العصر وعبقريهم المرحوم عمر فاخوري" عن احد بخلاء البسطة، وهو ملاّك كبير، الذي اعترض سبيله وباغته بخبر موت احد المستأجِرين الفقراء قبل ان يسدد له الايجار، وتساءل: "كيف يحق له ان يموت، ولم يدفع لي بقية الحساب؟" وأجابه عمر: "الحق معك. كان يجب ان لا يموت، ان لا يمازحك هذا المزاح الثقيل، ولكَ ما لكَ في ذِمَّته". وسأله البخيل: كيف العمل الآن؟ أجابه متصفحاً الجدّية: "أعطاك الله عمره بدل ما لك في ذمته فإما ان تقبل، وإما ان تسأل عزرائيل ان يجمعك به فتستوفي قروشك". الجدير ذكره، ان خوري كان أعد اطروحة في الجامعة الاميركية عن الجاحظ وبخلائه.

 لنعد الى عام 1927. خيّر نجم خوري ابنه رئيف بين حمل الرّفش والمعول والهبوط الى وادي راميّا التابعة لنابيه، او التسلّح بالقلم والكتاب والتوجه الى الجامعة الاميركية في رأس بيروت. اختار الشاب رئيف الجامعة، ليس فقط لأنها توفّر له شهادة عليا ومستقبلاً مشرقاً، بل أولاً لأنها تنمّي موهبته الأدبية وتؤمّن له المنهج العلمي في أبحاثه الأدبية. الدليل انه بدأ ينشر قصائده وأبحاثه بعد عامين من حياته الجامعية، ولم يكن تجاوز السابعة عشرة من عمره. وتدفّق إنتاجه بين 1929 وعام تخرجه في 1924، بغزارة تدعو الى التساؤل عن سِرِّ طاقته التي أتاحت له فرصة التوفيق بين ورشتين رئيسيتين: الدراسة الاكاديمية والكتابة الصحافية.

 تبرع الطالب الأديب بالقليل من قصائده ومقالاته لعدد من الدوريات البيروتية والمناطقية أمثال "المورد الصافي" لجرجس المقدسي وأخيه أنيس، و"العلم" لميشال حايك، و"الأقلام" للشاعر حليم دموس، و"العروة الوثقى" الخطية التي كانت تصدرها جمعية العروة الوثقى في الجامعة الاميركية. لكن مساهماته في "المعرض" لميشال زكور، و"البرق" للأخطل الصغير، و"الرياض" لفريد ابو فاضل، كانت متواصلة الى درجة الاعتقاد أنه كان عضواً في هيئاتها التحريرية. وقّع قصائده الاولى باسم "رئيف نجم الخوري". ثم اعتمد توقيع "رئيف خوري" الذي لازمه طوال حياته.

 الباحث لا يحتاج الى كثير عناء ليلاحظ تأثّر خوري بجبران في كتاباته الاولى وفي "الرياض" بصورة خاصة. في عدد أيلول 1931 يقول خوري في مقال "أنتم ونحن": "أنتم تسمعون المعري يلقي عظات الاجيال، ودانتي يتألم في جحيمه، وملتون يتغنى في فردوسه، فتصغون قليلاً ثم تتابعون السير كأنكم لا سمعتم ولا رأيتم. أما نحن فنمرّ بالمعري على منبره ودانتي في جحيمه وملتون في فردوسه، ولدينا رسوم الالهة لنعرضها على الناس". في المقابل يقول جبران في مقال "نحن وأنتم": "أنتم رفعتم حدائق بابل فوق هياكل الضعفاء وأقمتم قصور نينوى فوق مدافن البؤساء. أما نحن فقد نحتنا تمثال عشتروت من الرخام، فجعلنا الرخام يرتعش جامداً ويتكلم صامتاً، وضربنا النهوند على الأوتار، فاستحضرت الأوتار أرواح المحبين الحائمة في الفضاء". هذا التأثر لا يبرر التعتيم على بواكير رئيف خوري الغنية باللمعات الخلاقة، وخصوصاً النثرية منها. ناهيك بأن الاطلاع على بداياته هو شرط أساسي لدرسه وتقويمه بشكل دقيق وعادل. ذلك ان رئيف خوري، أسوة بغيره من الأدباء الكبار، تدرّج في رحلته الأدبية وفق نظرية النشوء والارتقاء التي رفع لواءها في العالم العربي قدوته في العقيدة الاشتراكية الدكتور شبلي شميّل.



عن الأخبار اللبنانية

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا