كاتب ياسين والقضية الفلسطينية: ''فلسطين مخدوعة'' أو ''مجزرة الأمل''

لا يزال الكاتب الجزائري الكبير كاتب ياسين وبالرغم من مرور عقدين على رحيله يلهم الكثير من عشاق الأدب، من خلال نصوصه، أدبية كانت أم مسرحية، والتي أعطت له مكانة خاصة في المشهد الثقافي والأدبي الجزائري•• كاتب ياسين الذي عرف كيف يتصدى للمستعمر بلغته من خلال مجموعة روائية تتصدرها رائعة ''نجمة''، وتوجه بعد الاستقلال إلى استعمال الأسلوب العامي من أجل زرع الوعي في المجتمع وذلك من خلال نصوصه المسرحية

ياسين كان أيضا ذلك الثوري من الطراز الرفيع على المستوى العالمي والإنساني، حيث توسعت دائرة فكره ومواقفه فتطرق إلى العديد من القضايا عبر العالم وتطلع إلى نصرة المظلومين ودعم الديمقراطية، وتطرق بدون أي تحفظ إلى مجمل القضايا الاجتماعية والسياسية وقضايا الهوية من ربوع الجزائر إلى الفيتنام مرورا بفلسطين•• فبين 1972 و1988 كتب ياسين أروع النصوص المسرحية في تاريخ الجزائر الحديث، وكان نتاج تلك السنين مجموعة نصوص مسرحية تتصدرها ''حرب الألفي عام'' ''محمد خذ حقيبتك'' ''البورجوازي بدون تبان'' ''فلسطين مخدوعة'' المعروفة أكثر تحت عنوان ''مجزرة الأمل'' والتي حافظ من خلالها ياسين على أسلوبه الانتقادي الإصلاحي والمعارض للسلطة، تلك النصوص التي عمل الكاتب رفقة فرقته الفنية المعروفة بالحركة الثقافية للعمال والتي ضمت العديد من الوجوه الفنية المسرحية والتي استقرت آنذاك في الحي العتيق باب الواد بالعاصمة، إلا أن التضييق عليها من طرف السلطات خاصة بعد عرض مسرحية ''محمد خذ حقيبتك'' جعلها تعرف المنفى داخل الوطن لتستقر بمدينة سيدي بلعباس بغرب الوطن لتواصل نضالها الفني بقيادة الكاتب الذي قاد فرقته داخل الوطن وخارجه في عروض مسرحية فريدة من نوعها

كاتب ياسين كان من بين المثقفين الأوائل الذين نددوا بالتواطؤ العربي في القضية الفلسطينية عندما كتب نصا مسرحيا تحت عنوان ''فلسطين مخدوعة'' والذي فضل الإعلام آنذاك والعديد من المتتبعين وتجنبا للرقابة ونظرا لجرأة العنوان وإزعاجه للسلطات تم استبداله بـ''مجزرة الأمل'' كون المسرحية تعرض هذه الفكرة بشكل كبير، إلا أن الهدف من ذلك النص المسرحي هو عرض المأساة الفلسطينية والشتات الذي يعاني منه المواطن الفلسطيني على مرأى من الشعوب العربية وأنظمتها بضمائرها الصدئة، والتي ندد ياسين بتواطئها وعمالتها، تلك الفكرة التي كانت جد حساسة ولم يجرؤ المثقفون والأدباء التطرق إليها بأسلوب كاتب ياسين وعلى طريقة الفضح المباشر تلك، بالرغم من الرقابة المفروضة عليه والقيود العديدة المحاط بها من طرف السلطة، فجاءت مأساة فلسطين تلك تلقائية ووفية للحقائق خالية من كل نفاق فني أو أدبي، ونجح صاحب ''نجمة'' في عرضه ذاك في كسر حاجز الصمت والتستر عن الممارسات المثيرة للخجل والتي كانت تعمد إليها الأنظمة العربية، كما نقل إلى العالم واقع فلسطين وعالمية القضية•• العمل المسرحي وبعد مرور أزيد من عشرين سنة من عرضه يبقى عملا خالدا ونادرا بكل المقاييس، مما يشهد على أن كاتب ياسين عبّر عن المحظور في جزائر الثمانينات فيما أخفق العديد في ذلك في جزائر ألفين وتسعة•• فهل الطبقة الثقافية هي الأخرى وقعت في فخ التواطؤ ذاته الذي وقعت فيه الأنظمة العربية منذ 1948 إلى يومنا ولا تزال عالقة فيه، فإن كان مثقفو ومسرحيو العرب عاجزين عن تقديم عمل مماثل، فكان لهم على الأقل إعادة إحيائه على خشبة المسرح للتنديد مرة أخرى بما بجري في فلسطين عوض عرض تلك الأغاني الثورية والقومية التي لا تفيد في شيء سوى في البكاء على الأطلال، أم أن المسرح أخطر من الغناء في نظر هؤلاء

كمبدع فريد من نوعه، كاتب ياسين كان يملك مفاتيح الخصوصية والعالمية في آن واحد، في خطاب إنساني خال من أي إيديولوجية ودماغوجية وغير متموضع في أي صف، ولكن أيضا خطاب صادق نزيه وشريف، قال خلاله كاتب ياسين في ظرف قصير ما لم يقله العديد في غضون سنين طوال•• فبين ''فلسطين مخدوعة'' و''مجزرة الأمل'' يتجلى التخاذل والتواطؤ

 

أنت الآن هنا