ضمن تاريخه للسينما في العالم يتوقف الكاتب السوري عبدالرحمن حمادي في عدد ايار الاخير من مجلة الرافد التي تصدر عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة عند السينما السورية فيستشهد بقول المخرج السوري نبيل المالح الذي اعلن في مهرجان دبي السينمائي ان السينما السورية قد ماتت بسبب وجود المؤسسة العامة للسينما الذي أدى الى قتل السينما السورية تماما ، فليس هناك جمهور يذهب للصالات ، ولا صالات ليذهب اليها الجمهور ، وهي على حد تعبيره جريمة غير منظمة بحق السينما السورية ، ولولا بعض السينمائيين الجدد والقدامى الذين مازالوا يحملون بعض النار في داخلهم لخرجنا الآن في جنازة السينما السورية وودعناها الى غير رجعة .
سينما قديمة
وبعد ان يستعرض الكاتب تاريخ السينما السورية كسينما قديمة حققت مجدها طوال عدة عقود يصل الى مرجلة الانحدار في هذه السينما ، وهو انحدار كما يقول لايمكن تحميل أية جهة أسبابه ، فما أصاب السينما العربية بشكل عام أصاب السينما السورية منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي ، فالبث التلفزيوني وصل إلى معظم مناطق سورية وشكل ضربة قوية لصالات السينما ، فقد انشد الجمهور إلى المسلسل اليومي بدلا من الذهاب للسينما ، ومع ذلك بقيت الصالات تكابر وتعرض أفلامها للجمهور الذي لم يستطع التخلص من سحر السينما دفعة واحدة ، ولكن هذا السحر تلاشى مع ظهور الفيديو الذي نقل السينما إلى البيوت والغى طقس حضور السينما في الصالات ، وزاد الطين بلّة أن الفيديو صار يتيح للمتفرج رؤية أفلام جيدة وحديثة لا تستوردها مؤسسة السينما ، وهكذا بسرعة قياسية عزف الجمهور عن السينما مشدودا للتلفزيون والفيديو ، وزاد من عزوفه مع طفرة الإنتاج التلفزيوني الدرامي ، فتوقفت الشركات الخاصة ،وتحول المنتجون إلى الإنتاج الدرامي التلفزيوني ، وكذلك الممثلون والمخرجون ، ووجدت الصالات نفسها أمام خيار وحيد هو عرض الأفلام الهابطة والقديمة لجمهور من المتسكعين والمنحرفين والذين يرغبون بأخذ قسط من النوم بانتظار مواعيد سفرهم ، وبسرعة بدأت الصالات تتوقف وتحول كثير منها إلى مقاهي ، حتى صالات الكندي التابعة لمؤسسة السينما توقف معظمها واغلق أبوابه بعد أن صار إيراد العروض لا يغطي جزءا من رواتب الموظفين في تلك الصالات ، وفي المحصلة حصل الانهيار .
ارتباك واتهامات
انهيار حدث بسرعة قياسية في السينما السورية ، وإزاء توقف الصالات صدر قرار رسمي يمنع الصالات من إغلاق أبوابها أو التحول إلى شيء آخر ، واعفيت الصالات من معظم الضرائب تشجيعا لها على الاستمرار ، وازاء الشكوى من حصر استيراد الأفلام بالمؤسسة العامة للسينما صدر قرار يجيز للقطاع الخاص استيراد الأفلام مباشرة من الشركات المنتجة وعرضها كمحاولة لاعادة الجمهور إلى الصالات ، ولكن ذلك كله لم يفلح في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخراب الذي حلّ بالسينما ،وهو خراب زاد بظهور تقنية الأقراص المدمجة ( دي.في .دي) إذ أن أي فيلم صار بالإمكان نسخه بسهولة وبيعه على الأرصفة بسعر زهيد جدا ، فما الداعي لحضور السينما .
وفي الجهود لإنقاذ السينما في سورية اتهم البعض مؤسسة السينما بأنها كانت وراء هذا الخراب عبر قانون حصر استيراد الأفلام بها ، ولم يعد يجدي نفعا تراجعها عن هذا القرار قبل سنوات ، وتساءل كثيرون عن جدوى مهرجان دمشق السينمائي الذي يقام متزامنا مع مهرجانات سينمائية عربية ودولية هامة وذات ميزانيات ضخمة كمهرجان دبي السينمائي ، وما الجدوى من وجود مؤسسة السينما حتى الآن وهي عاجزة عن تحريك بوادر خلاص للسينما ، فالإنتاج شبه متوقف ، وصالات الكندي التابعة للمؤسسة متوقفة ، وهو امر برره مدير عام المؤسسة السيد محمد الاحمد بقوله أن المؤسسة أعادت افتتاح عدد من صالات الكندي بعد ترميمها واشترت معدات سينمائية بمبالغ ضخمة ، ولكن هذه الآلات متوقفة بسبب عدم وجود خبراء لتشغيلها خاصة أن كوادر المؤسسة تقاعد معظمها وانتقل الآخرون للعمل في مجالات أخرى ، واتفق الجميع على أن آلية التعاون ما بين القطاعين العام والخاص في السينما لم تنجح بسبب القيود المفروضة على القطاع العام ..
باختصار وقعت الندوة الهادفة إلى بحث سبل تخليص السينما السورية من انهيارها في دوامة الارتباك وتبادل الاتهامات وتقديم المقترحات ، كزيادة الدعم المادي لصناعة السينما وحرية التعبير ، وتولي جهات توزيع غير الجهات المنتجة تسويق الفيلم السوري ، والعناية بالفيلم القصير ...إلى آخر سيل المقترحات التي عرف طارحوها أنها حتى لو تحققت لايمكن أن تجدي ، فالسينما السورية كما السينما العربية تحتضر ، وإنقاذها من الاحتضار يحتاج إلى معجزة في زمن انتهت فيه المعجزات .
الكاتب شاهر يحيى وحيد كاتب سوري نرحب به صديقنا وكاتباً في موقعنا .