«خارج التغطية»من الكبت إلى العنف... رحلة أبطال يرزحون

بعد سلسلة من الأفلام السينمائية التي قدمها المخرج السينمائي السوري عبد اللطيف عبد الحميد والتي رسخته كواحد من

أهم المخرجين السينمائيين في سورية والعالم العربي جاء فيلمه الأخير»خارج التغطية» بعيداً كل البعد عن توقعات جمهور

عبد الحميد الضخم من محبيه ومتابعيه.



يقدم فيلم «خارج التغطية» حكاية عامر أستاذ اللغة العربية الذي يقوم على خدمة أسرة صديقه المعتقل السياسي زهير، وسرعان ما تتحوّل العلاقة بين عامر وزوجة صديقه إلى حب متبادل يغذيه الشعور بالكبت الجنسي من قبل الزوجة، ورفض عامر القطعي لزوجته، يحاول الاثنان كبت مشاعرهما، إلا أن الرغبة كانت أقوى من الرادع الأخلاقي، فتنشأ بينهما علاقة جنسية سرعان ما تنعكس آثارها على حياة الشخصيات الثلاث، وتكون ردة فعل زوجة عامر هي الاستماتة من أجل إخراج زهير من السجن، معتبرة ذلك الأمل الوحيد للحفاظ على زوجها وأسرتها، وتنجح مساعي الزوجة، ويعلم كل من عامر وزوجة صديقه بالخبر، ويبدأ عامر بالتداعي أمام ذلك الحدث الكفيل بإخراجه من الجنة، فما كان منه إلى أن قام بكتابة تقرير يضمن عدم إطلاق سراح زهير.
يحاول الفيلم تقديم صورة لسلسلة من العلاقات الإنسانية ترسمها وتتحكم بها مجموعة من الظروف المعاصرة والتي تصبّ بمجملها في بحر الزمن الصعب، الذي تشكل ثنائية القمع والحرمان أبرز المفردات المكونة له. وفي غمرة الواقع الذي تحكمه هذه الثنائية تقف شخصيات الفيلم عاجزة تماماً أمام مجموعة من المعادلات تفوق قدرة الطاقة الإنسانية على الاحتمال فالحالات كلها تتطرف إلى أقصاها، الحب جريمة، والصداقة عبء لا يطاق، والوفاء يتلاشى تماماً أمام واقع الخيانة الذي يفرض نفسه بضراوة. وأمام هذا كله تقف جميع الشخصيات عاجزة تماماً عن الفعل، وحتى فعل الهروب يعجز عامر عن القيام به، وربما كان غياب الفعل سمة أساسية للحكاية، لا بل ويمكننا القول إن غياب فعل التواصل هو الحامل الأساسي لحكاية الفيلم، فدلالات عنوان الفيلم ( خارج التغطية ) واضحة من حيث كون هذه الجملة باتت مفردة أساسية في منظومة العلاقات الإنسانية، ولا بد من القول إن هذه الالتقاطة تسجل بجدارة لصالح المخرج عبد اللطيف عبد الحميد الذي يعمد دائماً إلى التقاط تفاصيل ذكية من صلب الحياة اليومية وتوظيفها لخدمة جمالية أفلامه وجعلها أقرب إلى المتلقي.
بالإضافة إلى العجز وانعدام التواصل يمكن القول إن العنف هو من أهم المفردات الحاضرة في «خارج التغطية» والعنف كمفردة جديد تماماً في قاموس عبد الحميد السينمائي، الذي غالباً ما تطبع أفلامه اللمحة الشاعرية وغالباً ما تتسم شخصياته بالهدوء والرومانسية وقصصه في أغلبها قائمة على الحب كجوهر أساسي، الحب الهادئ، الصادق، الحالم. أما في «خارج التغطية» فالأمر مختلف تماماً ويشكل العنف طابعاً أساسياً للشخصيات والعلاقات التي تربط فيما بينها، علاقة عامر وزوجته، رغبة عامر بزوجة صديقه، وعلاقته بها، وحتى في اشتياق الزوجة لزوجها( زوجة عامر وزوجة زهير) يأخذ هذا الاشتياق شكلاً عنيفاً، بالإضافة إلى حالات تحطيم الأشياء والصراخ بسبب أو بدون، وعموماً يحكم الفيلم جو من التوتر ينعكس في معظم الأحيان على المتلقي، ويبدو العنف هنا على أنه جزء من مقولة المخرج، راداً إياه إلى الكبت بكل حالاته وتجلياته في حياة المواطن السوري.
لم تختلف بنية فيلم «خارج التغطية» عن البنى التي اتخذتها أفلام عبد الحميد السابقة خاصة وأنه هنا أيضاً مؤلف سيناريو الفيلم، إلا أن البنية في فيلمه الأخير تبدو أقل تماسكاً وعلى الرغم من بساطة الحدوتة، إلا أن المخرج أبى إلا أن يوسع دائرة الفيلم، ويذهب به باتجاه التعقيد، وتحميله ما لا يحتمل، وهنا وقع عبد الحميد في مطبين. 
الأول كان في الإطالة التي يشعر بها المتلقي في الفيلم، على الرغم من أن زمن الفيلم مقبول، والمقصود بالإطالة هو عدد من المشاهد والمواقف التي بدا وجودها أقرب إلى الحشو، والتي لم تخدم السياق، والتي ربما سبّبت الملل للمتلقي كالمشاهد التي تجمع عامر مع الأطفال(مريومة وزهير) والمشاهد المتكررة لسلمى وهي تتصل بزوجة زهير لتسأل عن عامر، والموقف الذي جمع عامر بالراكب الذي طلب أن يقود التاكسي بنفسه، وحكاية المرأة التي صدمت بزوجها فقررت السفر لأهلها في حلب. 
والمطب الآخر هو في أن هذه المواقف في أغلبها بدت تلفزيونية أكثر من كونها سينمائية، وهذه المشكلة تبدو في لحظات في الفيلم ليست قليلة على الإطلاق.
الفيلم عموماً يحمل بامتياز بصمات مخرجه والمتتبع لأفلام عبد اللطيف عبد الحميد يجد أسلوبه حاضراً بقوة في فيلمه الأخير وهذا طبيعي بل ويسجل للمخرج قدرته على خلق أسلوب خاص به، من حيث اعتنائه بالتفاصيل ومحاولته الدائمة لتقديم الإنساني البسيط والموغل في عمقه في الآن ذاته، ومن حيث الصورة المميزة التي يقدمها والتي نجد فيها ملامح سريالية بامتياز، وفي خارج التغطية نلاحظ أن كاميرا عبد اللطيف عبد الحميد لم تقدم ما هو جديد فلعبة المرايا ليست جديدة (في السينما السورية عموماً) واللجوء إلى تقديم الحدث في أماكن جميلة يخدم الفيلم والصورة، لكن ليس إلى درجة أن تصبح فيه الأماكن الجميلة هي أقرب إلى المنقذ للصورة والمخرج الذي قد تخذله أدواته، والمشكلة مع خارج التغطية وعموم أفلام عبد الحميد الأخيرة هي في أن هذا الأسلوب الخاص به كاد أن يحول أفلامه إلى نسخة واحدة ففي خارج التغطية يعمد إلى تقديم لقطة عامة لدمشق في أكثر من لحظة في الفيلم وهذا ما نجده في كل أفلامه التي تدور أحداثها في دمشق، كما أن أغاني فيروز حاضرة بقوة في فيلمه الأخير شأنه في ذلك شأن كل أفلامه السابقة.
أدى الأدوار في الفيلم كل من فايز قزق (في دور عامر) صبا مبارك( في دور زوجة زهير) فدوى سليمان( في دور سلمى) نضال سيجري (في دور زهير) وعموماً كان مستوى الأداء جيداً لدى كل الشخصيات، فايز قزق قدم شخصية عامر بمنتهى الحرفية، ودون مبالغة وكان أداؤه منسجماً مع الإيقاع العام للفيلم، ولا بد من الإشارة للأداء المتميز للفنان نضال سيجري، الذي قدم شخصيته بحس عال وبصدق كبير، على الرغم من أن حضوره في الفيلم اقتصر على مشهدين لا أكثر.
عموماً يمكن القول إن المشكلة الأولى والأهم في الفيلم تكمن في السيناريو. وما المشاكل التي حملتها البنية إلا تعبير واضح عن الخلل الذي يعتري السيناريو، إذ بدا مشتتاً، ضائعاً، يبحث عن الأفكار والأفعال والأحداث في غير مكانها، هذه المشكلة تحيلنا إلى مشكلة أكبر في السينما السورية وهي ما اصطلح على تسميته (سينما المؤلف) والتي يمكن القول عن عبد اللطيف عبد الحميد إنه واحد من أهم فرسانها والغريب أن الأوساط النقدية تتعاطى مع هذه الظاهرة على أنها ظاهرة إيجابية، دون التنبه إلى أنها طبعت السينما السورية بطابع واحد بالإضافة إلى أنها تغفل دور كتابة السيناريو كفن قائم ومستقل بحد ذاته، كما أنها تطرح كظاهرة في حين أنها واقع حقيقي، ففي تاريخ السينما السورية تندر الأفلام التي يكتبها سيناريست متخصص وليس المخرج. ومع عبد الحميد تظهر هذه المشكلة بشكل أكبر، إذ بدت الحاجة إلى أن يلتفت إلى مهمته الإخراجية، تاركاً السيناريو، لمن يختص به. 
لقد حفر عبد اللطيف عبد الحميد اسمه بجدارة في ذاكرة السينما السورية كماً ونوعاً لذا فهو أحوج ما يكون لأن يقف ملياً قبل أن يتابع مشروعه الفني وقفة نقدية صادقة ليعود إلينا محملاً بالدرر السينمائية الشعرية التي تعيد إلى الأذهان(ليالي ابن آوى، رسائل شفهية، نسيم الروح).


أنت الآن هنا