تجربتها عبّرت عن المجتمع اللبناني بعد الحرب، وجعلتها ناطقة باسم 
جيل ومرحلة. الفنانة الشابة التي بدأت رحلتها مع زياد الرحباني، تعود إلى الأضواء في بيروت، حيث يستضيفها «مسرح بابل» في ثلاث أمسيات تؤدّي خلالها فيروز، وباقة من أعمالها القديمة والجديدة

اطلّع بنظرة فيا ازدراء للشعب اللبناني!» هكذا تجيب الفتاة المشنّجة، المسلّحة برمحها، عندما تُسأل عن السبب الذي دفع مجموعتها إلى اختطاف عالم الايكولوجيا الفرنسي فرانك. المرأة الشرسة في العمل المسرحي الأخير لزياد الرحباني («بخصوص الكرامة والشعب العنيد» و«لولا فسحة الأمل» 1993 و1994)، هي الفنّانة تانيا صالح التي شاركت في هذين العملين تمثيلاً وغناءً. كانت هذه الإطلالة الفنية الأولى لتانيا على الجمهور اللبناني، تلتها مساهمة غنائية مع الكورس في ألبوم زياد للراحل جوزيف صقر «بما إنو»، وألبوم فيروز " إلى عاصي" . ربما تكون تلك التجربة الشيقة من الأسباب الرئيسة التي دفعت هذه الفنانة اللبنانية المُلِمّة أساساً بالغناء والموسيقى الشرقية والغربية، إلى خوض مغامرة مستقلة تجسّدت بألبومها الوحيد الذي لا يحمل عنواناً، وقد صدر عام 2002 بعد سنوات من العمل والإعداد.
وها هي تانيا صالح تعود، برفقة فرقتها الموسيقية، للقاء الجمهور، من خلال ثلاث أمسيات تبدأ غداً على خشبة «مسرح بابل». وتعود إطلالتها الأخيرة إلى السنة الماضية في شارع الحمرا، ضمن حملة «خلص ــــ معاً لخلاص لبنان» التي أطلقتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني (شاركت فيها الفنانة أميمة الخليل، وفرقة «بلاند»، والمغنية هبة منذر التي مثّلت الأغنية «الوطنية» التجارية الهابطة!). وكانت تلك المرة الأولى التي تغنّي فيها تانيا في لبنان منذ «يا سلام»، الحفلة الموسيقيّة المشتركة أيضاً التي جمعتها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 مع عدد من الفنانين والفرق الموسيقية الشبابية على خشبة قصر الأونيسكو (منير الخولي، فرقة «سوب كيلز»، فرقة «ريّس بك» ...). والحفلات التي تنفرد تانيا اليوم في إحيائها، أُعلن عنها مطلع الصيف الماضي، لكنّها ألغيت لاحقاً بسبب الظروف.
تانيا صالح التي حققت تجربتها إضافة أكيدة إلى الأغنية العربيّة البديلة، ولدت عام 1969، ونشأت في بيئة عائلية متذوّقة للفن اللبناني الراقي (فيروز والأخوين رحباني) وللأغنية العربية الأصيلة. تعود أولى محاولاتها الفنية إلى طفولتها، إذ اعتادت أداء أغنيات من التراث الشعبي في المناسبات والاحتفالات التي كانت تنظمها المدرسة. هذه الانطلاقة الكلاسيكية تبعتها مرحلة تحوّل كلاسيكية أيضاً خلال سنوات الدراسة الجامعية. يومها، مالت إلى الأنماط الغربية، وخصوصاً موسيقى الروك التي تجذب الشباب التوّاق إلى التغيير والثورة. وقد غنّت في تلك الفترة مع فرق محلية تقدّم الموسيقى الغربية، حتى إنهاء دراستها في الجامعة اللبنانية الأميركية (قسم الفنون الجميلة.( بعدها غادرت تانيا إلى فرنسا حيث تابعت دراسة الفنون في جامعة السوربون، قبل أن تعود إلى بيروت لتعمل في أعمال زياد الرحباني. وشارك زياد خلال تلك الحقبة، عازفاً على البيانو في إحدى أغنيات ألبومها المشار إليه أعلاه.
في عام 1997، مثّل زواج تانيا من مهندس الصوت والمنتج الفني فيليب طعمة محطةً مفصلية في حياتها الشخصية والفنية على حدّ سواء. هكذا، بدأ الثنائي العمل على ألبوم لأغنيات كتبت تانيا الجزء الأكبر من نصوصها (بمشاركة عصام الحاج علي)، إضافة إلى مشاركتها في التلحين (مع زوجها، وعصام الحاج علي أيضاً، وشربل روحانا) والتوزيع الموسيقي ( الذي تولاه فيليب عموماً). صدر العمل بصيغته النهائية عام 2002، وفيه تبنّت تانيا نمطاً خاصاً في كتابة النصوص التي قامت أساساً على توظيف عبارات ومحطات كلامية من القاموس اللبناني الشعبي، لنسج معانٍ ذات دلالات عميقة، إنما بأسلوب تهكمي تغلب عليه السخرية السوداء. تعود أحياناً إلى «مخلّفات» الطفولة («يا سلمى ليش عم تبكي...») والمفردات الثابتة من أحاديثنا اليومية («الله حرّ بعبيدو..»، «يسواكِ ما يسوانا...»، «حسابك بعدين، عالراس وعالعين...») لتسقطها على حالات محددة أو عامة لا علاقة لها بالاستخدام الأصلي لتلك العبارات.
وإذا أضفنا إلى ما سبق، الموسيقى لحناً وتوزيعاً (الروك بآلاته وإيقاعاته... جمل الغيتار الكهربائي خصوصاً، والشرقي بآلاته على أنواعها وبعض تقاسيم القانون، إضافة إلى الفانك في ختام الألبوم)، تكون المحصّلة تجربة فريدة، جاءت تعبيراً مختصراً ومفيداً عن المجتمع اللبناني بعد الحرب. ما قدّمته الفنّانة الشابة يندرج في خانة الأغنية القصيرة، المتجانسة والبسيطة، ونعني التوازن والتلاصق بين نبرة صوت تانيا ومكوّنات تلك الأغنية، بغض النظر عن مستواها العام المقبول أساساً. ولأنّ التجربة ثمرة مراقبة دقيقة لتحولات العقد الأخير من القرن الماضي، فهي تعكس ما طرأ على حياة الأفراد من سلبيات وإيجابيات، وما طرأ على الهويّة «الشرقية» من تأثيرات «دخيلة» في زمن العَوْلَمة. وتتناول تانيا في ألبومها العلاقة العاطفية مع الآخر، وما تكتنفه من اضطرابات وتعقيدات لا تضبطها أي قوانين. أما التفاتها إلى الفولكلور الحديث، فكان من خلال استعادة «من شردلي الغزالة» (كلمات وألحان روميو لحود) في أداء ثنائي مع صاحب الأغنية طوني حنّا.
ولا بد طبعاً من التوقّف عند مساهمة تانيا صالح في بعض أعمال شربل روحانا وتوفيق فروخ... ونشير أيضاً إلى أغنية «مرايتي يا مرايتي» التي كتبتها لفيلم نادين لبكي «سكر بنات». وهي تعمل حالياً على ألبوم جديد يُتوقّع أن يصدر نهاية الصيف المقبل. كما ستصدر بعد شهر طبعة خاصة من ألبومها الأول في أميركا بعنوان Slow Down أضيفت إليه أغنيتان جديدتان باللغة الإنكليزية.
في حفلات الأيام الثلاثة المقبلة، ستغنّي تانيا من ألبومها القديم، إضافة إلى أربع أغنيات جديدة... كما ستؤدي أغنيتين لفيروز هما «مراكبنا عا المينا» و«بعتلك يا حبيب الروح». أما الفرقة الموسيقية التي سترافقها فتتألف من إيمان حمصي (قانون)، علي الخطيب (رق)، وليد ناصر (طبلة)، مهران غورونيان (غيتار)، هيثم شلهوب (باص) ومازن سبليني (كيبورد)