اقحوانه اليوم والأمس


الآن وبعد هذه السنوات الطويلة منَ الابتعاد عنها، قد كبرت حتما.

لا أدري ما هو الشوق الذي دفعني لأتذكرها ؟.

طفلة. تلعب في شارع قريتنا الترابي ،تركض، تضحك ، تعبث .

تتمايل كطيف ساحر، ثم تهدأ كعصفور صغير. تثور كبحر هائج، ثم تسكن .


جدائل طويلة، وفستان أزرق، وحذاء صغير، يتطاير مع رجليها الصغيرتين

في كلِّ مكان.

لا أدري لماذا تذكَّرْتُها اليوم ، وقد رحلت بعيداً عنِ الذكريات ، وواجهتني قسوة الحياة بما فيها من ألم وفرح ، راحة وعمل ، نجاح وفشل .

سأَعود إلى القرية لأَراها . فبعد وفاة أَبي وأمي والهجرة التي اخترتها لم يعد لي شيء هناك سوى قبرين دون حركة .وحبٍّ أبيضٍ كالثلج ، نقييٍٍّ كالطهارة ، حالم ٍٍ

كلحن المطر .

تتراءى صورتها أمامي وقد كبرت كشجرة ، بل كزهرة برية، أو لعلّها تسلقت جدار بيتهم كعريشة.

تسرح شعرها كسند ريلا، ثم ترفعهًُ كأميرة .

كلُّ ما أريده أنْ تتمايل أمامي كبيلسانةٍ، ويخفق الفرح في قلبها كفراشةٍ .

توجهت إلى قريتي بعد عشر سنوات من الغياب.

لم تكن الطريق سهلةً ففيها ملايين الأميال، من الوعود، والآمال، والأحلام.

ومسافات من التلال المغطاة ببساط من الأُقحوان.

أبيض، وأصفر، يمتزجان بسحر غريب، ويتَّحدان كالجسد والروح.

ها أنا ذا في طريقي إلى بيتهم ، وكلُّ ما حولي يضجُّ بها .

تنتابني مشاعر متناقضة من الشوق ، والرهبة ، وما زال همِّي أنْ أراها فقط.

طرقْتُ الباب بهدوء ، فلفَّني الصمت المريع ، وتزاحمتِ الذكريات القديمة .

 

كرَّرْتُ

فتلقيتُ استجابة ضعيفةً ، هزيلة ، صفراء، تخلو من أيِّ حياة .

- مَنْ ؟..

أجْبتُ :

-  أنا

فُتِحَ الباب وأطلَّت بشحوب ، وسواد ، ودموع .

توقفَتْ أمامي فاقدة القدرة على الكلام .

تمتمَتْ:

- أهذا أنتَ ؟

وراحت تبكي بصوتٍ عالٍ .

- كانت تذكرُكَ دائماً .  واليوم لم تعدْ تمتلك حتى الذكرى .

كان الخبر صاعقة اجتثت أوصالي ، وأوصَدَتْ ناراً في داخلي .

في اليوم التالي حملْتُ زهرة أقحوان لأزرعها بين القبور الثلاثة . ثم نظرْتُ إلى الشمس الصفراء الحارقة ليذهب بياض عيني إلى صفار وجهها في اتحاد أبدي .


الكاتبة عبير بدور هيئة تحرير الموقع

 

أنت الآن هنا