ثمَّة شيء يحدث عالياً ، مختبئ وراء الغيوم. لا أتمكّضن من مشاهدته، القطار القديم يطلق الدخان ويمضي متثاقلاً ، والدخان يخرج من ثقوب جسدي وينتشر في المكان ونشوة من شهوة تخترق أَوصالي .
زوجتي في المنزل ، وأَنا في العراء .
ضحكْتُ طويلاً ، ورفعْتُ رأسي عاليا متباهياً بما أنا فيه.
ولن أَصل لأَكتشف ما في الغيم مِنْ أَحداث، لكنها موجودة حتماً، ولا أَحد سيعيق دخولي بها ،أو تطلُّعي لذلك.
سيؤكِّدون جنوني، ودخاني المتصاعد، لذا عليَّ أنْ أُخفض صوتي.
لكنَّ القمر يدفعني للارتفاع .
وقد أَقطع رأسي. لأنَّ العلو من الممنوعات، وينبغي ألَّا أُفكِّر إلاَّ بالمسموح فقط. أو سأَجعل هذا الرأس ثقيلاً، منحنياً دائماً، وأحيطه بشمع متحجِّر، كي يغلقه.
- · ها أنا ذا أغلق رأسي بشمع متحجِّر .
ما يتطلبه السير دون التواء، باتجاه واحد. القطب الواحد، النظرة ،الحاكم، الرأي.
لن أسمح لأَحدٍ أنْ يحاسبني على أفكار أغلقها الحجر. وبداخلها" شفرات تحتاج لملايين الطلاسم كي تحلَّ لغزها .
إذن رأسي الآن محجرة بالشمع. وهذا ما يبعث بداخلي بعض الارتياح.
هي أُسطورة . قلتُ لنفسي،
بل مجنون منهزم. أَجبت عليها.
وصلت إلى بيتي، أَشعلت ضوء. وكصدى صوت للانفجار الضخم، الذى تلقاه رأسي المحجر، بما يتفق ومغارته الموحشة.
سألت زوجتي :
- أينَ كنت ؟
وحين فقدت بغتة جميع الأسئلة. أَجبتُ ولَمْ أُجب.
زوجته
- · حدَّثَتْ نفسها: بأَنَّه قد جُنَّ ، و هو السبب الذي دفعه لتغليف رأسه بالشمع المتحجر. والهلوسات، التي يطلقها حول أَحداث في الغيوم، وأَنَّ مشاهداته لما يحيط به تتحول إلى أُحادية بصرية. وهو المدان إنْ تكلَّم بصوت مرتفع.
توقف أمام مكتبته الخشبية، وأوراقه المبعثرة.
وصرخ فجأة.....
- أَين كنت ؟
ثمة أرض صلبة، وسماء هشَّة، رغبت في معرفة المسافة الفاصلة بينهما.
أدرك ألا َّفائدة من نقاش لا نتائج فيه.
أَحد الجيران
أَسِف عليه. فهو الجار المثقف ،المهذب، قد طُقَّ عقله، وغلَّف رأسه بحجر الشمع. وهو يكرر :
- يا جار. عليَّ أنْ أُفكر بلا صوت كي لا أُدان.
- · سافر بأَحلامه إلى أَماكن عذراء في داخله. يريد الذوبان بين ثناياها، أو تغليفها بحرير لازوردي، ليحفظها في لا نهائية أَفكاره، المرميِّة على طرقات من خوف، مهملة، متسخة، يريد رفع الغبار عنها، كيلا تطالها يد الشتاء.
لكنها صدئت. وفقدت مدة صلاحية استعمالها.
سألت زوجته :
- إلى أيِّ مسافة وصلْتَ ؟
كانت أُمه ترتدي فستاناً من قرية مزركشة بالأَلوان، ونهداها بلا حمَّالتين، يتأرجحان وهي تقطف التفاح، ودوائر عيشها تضيق بها ،وحلمها فيه التهمته الكلاب.
- · لا يذكر متى نهشه الكلب وانتزع منه كتلةً لا بأس بها من لحم، ومتى ضرب للمرة الألف، وتحدث بما لايعني، وثقل الشمع فوق رأسه، يجرُّه للنباح الطويل ،الذليل، الأَبدي، الكوني، العالق بحنجرته.
قال :
- أدركت شيئاً، يصعب عليَّ البوح به، كي لا أُدان.
وصرخت زوجته :
- قلْ، وإلا َّ.. .!!
وهدَّدتْه بالنهد، والحليب، وبالكنز الوسطي الباهظ المنال.
حدَّق بها، محاولاً نزع الحجر، وهو يلهث تعباً ،وصرخ :
- المشكلة في الأعلى والأسفل.
وقفز راكضا، مبكرا، قبل انتهاء الحدث. فداهمه البحر، وكالبدائي الأول، خاف ورفع عصاه، وتراجع، واقترب، ونبح.
- سأقاتلك من تكون
فثار موج البحر، واختطفه، وغاص في أَعماقه، وبحث عن ماء ليروي عطشه وعن رأس سقطت مع الشمع الحجري، وغاص، ونبح.
قالت زوجته:
- وماذا بعد ؟
سأَحجب عنك حتى النباح، وستُدان.
قال الجار:
- أُدين المثقَّف جارنا، بالنباح.
وكان يغوص بلا رأس، وعصاه يتقاذفها الموج، والغيوم تحمل أحداثها ،وتمضي عالية في السماء .
