طيرا ن منتصف الليل !

يعتلي الصندوق الأَسود عرش الطائرة ، يمد أذرعته اللامرئَّية باتجاهات مختلفة ، يسجل حركاتنا ، أنفاسنا ، شريط ذكرياتنا ، يعبر فوق أمواج النسيان ، يقطع مسافات الزمن المتسارعة ليستقر في مكامننا الداخلية.

يعلن قبطان الطائرة الجهوزيِّه للانطلاق .


فأتصور الدخان الذي ينطلق من الخلف . أشعر برهبة الانفصال من مكان كان قبل ثوان يضج بالحركة .

يلفني هدوء طري  فأَسترخي فوق المقعد المتماوج مع ميول الطائرة السابحة بحرية

يتداخل الضباب بالممرات الضيقة ، يتسرَّب الى غرابيل الأَفكار ، ناسجاً خيوط اللهفة للوصول .

كلمات . نظرات . أَحاسيس . تتخبَّط في براميل الزمن ،الذي يبتاعونه قطعة ، قطعة . ليعيشوه  مزيداً من الجنون .

تتجوَّل المضيفة بين المقاعد بخطوات رزينة ، تهمس لي :

-          أتمنى لكَ رحلة سعيدة .

أُسافر في الذكريات...

أنظر يميناً ويساراً ، أَختفي خلف أَغصان متشابكة ، أُخرج علبة سجائري ، وأَتنفس بعمق ، ينبعث سحاب لفافتي متلوِّياً .

من أَيِّ شيءٍ أَهرب . لا أَدري .

خطيئتي الأولى تسري في عروقي منذ الطفولة ،أتذكرها الآن و تستسلم لها مخيلتي كنت أصغي قسراً لقائمة الخطايا ، الحب ، الكذب ، التدخين ، وكثير من الأفعال الممنوعة التي قيَّدتني .

يدفعني جنوني الى نشوة الخطيئة .

عشقت التغيير ،و سيطرت رغباتي الممنوعة على كلِّ شيءٍ .لأختبر الحياة التي رمتني عند المفارق .

يعلن القبطان وجوب ربط الأَحزمة ، تَّتبدل ملامح المضيفة ، نفهم أنَّ ثمَّة خطراً يحدق .

قالت المضيفة :

- أَرجوكم ، لا داعي للخوف . اضبطوا أَعصابكم .

تنهار مملكتي ، تُعلَّق أحلامي على تاج أَسيدي .

أَسمع تصاعد الابتهالات  من أَفواه مذعورة .يتساقط التفاح بعشوائية فوق التراب .

أُحسُّ بجوعي المزمن ، ورغبتي في التهام كلِّ التفاح . لأكتشف السرَّ الدفين المتساقط.

يختزن الصندوق صور الرعب بصمت .

ندخل العاصفة . تُقتَلَع الحواجز ، تتحرَّك المقاعد ، ترتفع الأقدام إلى الأَعلى ، تنهمر الأَفكار إلى الأَسفل .

صوت المضيفة :

-          لا داعي للخوف . إِنَّها مجرَّد عاصفة وتمضي .

تلك العاصفة جعلتني أَسترجع ما مضى كشريط سريع ومع هبوط الطائرة ومقاومتها وانخفاضها وعلوها والأَصوات الغريبة المتبقية منها .

كان كلُّ شيء يتراءى أَمامي منذ اللحظة التي عرفتكَ فيها ، عرفت الطبيعة التي جَبَلْتَ منها عبادك .

أَراك الآن في الأَعماق تنتشر كطيف منثور برماد لامع ، يبهر أَحاسيسنا .

أَقود رحلتي إليك لأَصل سالماً منَ الخطايا التي فرَضْتَها على وجودي حين ينسدل النور وراء ستائر العقل .

تتجمَّع داخل صندوق الذاكرة المتغلغلة في عقولنا أَدقُّ التفاصيل دون تسجيل من أحد .

ما يجول في الردهات المظلمة ، يتحوَّل لشيء ذابل ، يحتويه الصندوق  الشاهد على الحدث . بصمت .

يمتلئ بالصور المتواترة ،تتسلل إلى زاوية مختبئة ، تنطبع كوشم يد لطختها ريشة فنان قلق .

إليكَ أَعود ، ترتسم بأعماقي صوَرُُ ُ بيضاء، ملامح ليلٍ مهزوم ، تمتمات شياطين النار .

تنتهي العاصفة ، تعود أَقدامنا إلى أمكنتها ، ترتفع رؤوسنا بذهول ، ونحن لم ندرك ماذا  يجري حولنا .

تغفو الحقيقة على إِيقاع صدى الكلمات الهاربة.

أَراك تمدُّ يدكَ من بعيد ، تعانق طيفاً ينجذب إليك كحلم عتيق .

يفيض الصندوق بما فيه ، تتكسر الأفئدة ، تنقطع سلاسل التفكير ، حين أعلو فوق هضبات النسيم

وأعود الى ذاتي .

خطواتي بلا رقابة ، وأشعر بنشوة لم أَتذَّوقْها من قبلُ

وأُتمتم :

-          أنا الآن حر ّ ُُ




الكاتبة عبير بدور ، كاتبة سورية من هيئة تحرير الموقع


أنت الآن هنا