يعتلي الصندوق الأَسود عرش الطائرة ، يمد أذرعته اللامرئَّية باتجاهات مختلفة ، يسجل حركاتنا ، أنفاسنا ، شريط ذكرياتنا ، يعبر فوق أمواج النسيان ، يقطع مسافات الزمن المتسارعة ليستقر في مكامننا الداخلية.
يعلن قبطان الطائرة الجهوزيِّه للانطلاق .
فأتصور الدخان الذي ينطلق من الخلف . أشعر برهبة الانفصال من مكان كان قبل ثوان يضج بالحركة .
يلفني هدوء طري فأَسترخي فوق المقعد المتماوج مع ميول الطائرة السابحة بحرية
يتداخل الضباب بالممرات الضيقة ، يتسرَّب الى غرابيل الأَفكار ، ناسجاً خيوط اللهفة للوصول .
كلمات . نظرات . أَحاسيس . تتخبَّط في براميل الزمن ،الذي يبتاعونه قطعة ، قطعة . ليعيشوه مزيداً من الجنون .
تتجوَّل المضيفة بين المقاعد بخطوات رزينة ، تهمس لي :
- أتمنى لكَ رحلة سعيدة .
أُسافر في الذكريات...
أنظر يميناً ويساراً ، أَختفي خلف أَغصان متشابكة ، أُخرج علبة سجائري ، وأَتنفس بعمق ، ينبعث سحاب لفافتي متلوِّياً .
من أَيِّ شيءٍ أَهرب . لا أَدري .
خطيئتي الأولى تسري في عروقي منذ الطفولة ،أتذكرها الآن و تستسلم لها مخيلتي كنت أصغي قسراً لقائمة الخطايا ، الحب ، الكذب ، التدخين ، وكثير من الأفعال الممنوعة التي قيَّدتني .
يدفعني جنوني الى نشوة الخطيئة .
عشقت التغيير ،و سيطرت رغباتي الممنوعة على كلِّ شيءٍ .لأختبر الحياة التي رمتني عند المفارق .
يعلن القبطان وجوب ربط الأَحزمة ، تَّتبدل ملامح المضيفة ، نفهم أنَّ ثمَّة خطراً يحدق .
قالت المضيفة :
- أَرجوكم ، لا داعي للخوف . اضبطوا أَعصابكم .
تنهار مملكتي ، تُعلَّق أحلامي على تاج أَسيدي .
أَسمع تصاعد الابتهالات من أَفواه مذعورة .يتساقط التفاح بعشوائية فوق التراب .
أُحسُّ بجوعي المزمن ، ورغبتي في التهام كلِّ التفاح . لأكتشف السرَّ الدفين المتساقط.
يختزن الصندوق صور الرعب بصمت .
ندخل العاصفة . تُقتَلَع الحواجز ، تتحرَّك المقاعد ، ترتفع الأقدام إلى الأَعلى ، تنهمر الأَفكار إلى الأَسفل .
صوت المضيفة :
- لا داعي للخوف . إِنَّها مجرَّد عاصفة وتمضي .
تلك العاصفة جعلتني أَسترجع ما مضى كشريط سريع ومع هبوط الطائرة ومقاومتها وانخفاضها وعلوها والأَصوات الغريبة المتبقية منها .
كان كلُّ شيء يتراءى أَمامي منذ اللحظة التي عرفتكَ فيها ، عرفت الطبيعة التي جَبَلْتَ منها عبادك .
أَراك الآن في الأَعماق تنتشر كطيف منثور برماد لامع ، يبهر أَحاسيسنا .
أَقود رحلتي إليك لأَصل سالماً منَ الخطايا التي فرَضْتَها على وجودي حين ينسدل النور وراء ستائر العقل .
تتجمَّع داخل صندوق الذاكرة المتغلغلة في عقولنا أَدقُّ التفاصيل دون تسجيل من أحد .
ما يجول في الردهات المظلمة ، يتحوَّل لشيء ذابل ، يحتويه الصندوق الشاهد على الحدث . بصمت .
يمتلئ بالصور المتواترة ،تتسلل إلى زاوية مختبئة ، تنطبع كوشم يد لطختها ريشة فنان قلق .
إليكَ أَعود ، ترتسم بأعماقي صوَرُُ ُ بيضاء، ملامح ليلٍ مهزوم ، تمتمات شياطين النار .
تنتهي العاصفة ، تعود أَقدامنا إلى أمكنتها ، ترتفع رؤوسنا بذهول ، ونحن لم ندرك ماذا يجري حولنا .
تغفو الحقيقة على إِيقاع صدى الكلمات الهاربة.
أَراك تمدُّ يدكَ من بعيد ، تعانق طيفاً ينجذب إليك كحلم عتيق .
يفيض الصندوق بما فيه ، تتكسر الأفئدة ، تنقطع سلاسل التفكير ، حين أعلو فوق هضبات النسيم
وأعود الى ذاتي .
خطواتي بلا رقابة ، وأشعر بنشوة لم أَتذَّوقْها من قبلُ
وأُتمتم :
- أنا الآن حر ّ ُُ
الكاتبة عبير بدور ، كاتبة سورية من هيئة تحرير الموقع
