حال البلد - ذيل ... طويل جدا

حال البلد

لافتة إعلانية
18
Dec

ذيل ... طويل جدا

تنطفئ أعواد كبريت داخل روحي الهامدة .أفكار متحجرة ، ممنوعة من الانطلاق . أَقف في مؤخرة الحشد الذي هبَّ لاستقبال المدير .  ابتسامات على وجوه أثقلها الجهد . تصرُّ رغم كلِّ الخيبات أَنْ تكون مستبشرة  .


-          سيعطي المدير الجديد كلَّ عامل حقه . قدر جهده.

هذا ما قاله أحد العمال .أجابه آخر: -          كلُّ شيء  للأَسوأ

تلوح بالأفق بيارق الأمل .التغيير ، لكنه ما زال سراباً يتراءى أمامنا . صحراء يأس وخنوع، يتبخر فوق الرمال الساخنة.

كل شيء للأسوأ. أخذت صداها في رأسي المتعب بالأفكار . وأنا أقبع بمكاني ، أنتظر أول طيف للنجاح بمسيرة كفاحي الطويلة .

تزداد الحركة أمامي . ترتفع الرؤوس للأَعلى باتجاه واحد .

أَعلنَ المسؤول الأول عن وصول المدير بعد ربع ساعة صار يعطى توجيهات

تليق بالاستقبال .

أقف خلفهم في الساحة كذيل مهمل ، يلقي كاهله المتعب على أرض متعفنة

يمضي الوقت مسرعاً لاقتناص اللحظة الحاسمة

ازدحام. اختناق. يقيدان أهدافي .

تحاصرني الأَسئلة . تفجِّر التضحيات ، تُلقي الأَجوبة بذكاء في مستنقع الغباء.

يرتفع صوت الأغاني ، ترحيباً بالقادم الجديد على صهوة الأمل المنتظر.

يجرُّ القطيع أذياله عائداً إلى الحظيرة . يتراكض بفوضى  ليصل إِلى فراشه الدافئ . ومَنْ يتأخر فلا مكان له.

يسعى للوصول الى المقدمة . يلقي بنظره على وجه المدير الجديد.

يسحب الانتظار ذيول الزمن إلى اللانهاية .

يتبادلون النكت ضمن اجتماعات مغلقة . يصرِّحون بكلام معسول منمَّق بمؤتمرات مفتوحة .

يقول أحد المعلِّقين:

-          مَنْ يضحك أخيراً يضحك كثيراً

يستمر الضحك من البداية إلى النهاية.

أَتقدَّم أَكثر.

يجري نمو المجتمعات بجداول ضعيفة ، تستغرق وقتاً طويلاً لتصل محيط التقدم

وحالة الرقي .

نراوح مكاننا . نشرب أَفيون التقاليد ، نأكل نفايات الحضارة ، نتنفس أوزون

الفوضى .

لا أدري ما الذي يضحكهم ،

قال أحد المهندسين :

-  حين ينتج معملنا بكامل طاقته ، يكون غيرنا قد استقر  بالفضاء منتجاً ومراكبهم الفضائية تبعث دخانها هدية لنا  .

أُتابع سيري صوب المقدمة

هناك قيود كثيرة. تدور ضمن فلك دائري حول مركز الضعف المترسخ بأذهاننا المتعبة .

تعيش المأساة على شفا حفرة من الهاوية. حجرة فقط تسند أقدامنا . تبعدنا  عن السقوط. لنقبل الفقر والجوع . ونمحي أي تفكير بعقولنا.

نصغي للأصوات البعيدة . و الدهشة في عيون المراقبين .

نسيان الماضي قضية صعبة. شاقة . تحتاج لملايين الصدمات الكهربائية . وعلى جسدي الاختلاج دائماً. ساعياً للتجديد .

الحب ، الأمل ، الكفاح ، ملايين اللحظات من الذل. تتصاعد على صرير لهفتي لرؤية المخلِّص القادم من عالم آخر .

يتحول كل شيء لوهم ، أجري خلفه كمسافر إلى المجهول.

يختفي الذيل بحكم تطور الجينات الوراثية ليبقى رمزاً أُسطورياً يحدِّد اتجاهاتنا.

تتجلى الحقيقة أمام ناظرَينا وهماً خادعاً. مزيفاً يربط

العقل بالذيل ، بالضياع.

أكون بالمقدمة عند وصول السيارة السوداء.

يستلقي في المقعد الخلفي بكبرياء . يضع النظارات السوداء لتخفي وراءها عينَين تتطلعان إلى الأَعلى .

يتباهى الطاووس بريشه الجميل. يفرشه بخُيَلاء ليغري الأنثى بألوانه البراقة ، يفرغ أحاسيسه بلوحة منمقة بالألوان يفردها بعظمة.

تتوالى الاجتماعات ، تصدر القرارات الفارغة المحشوَّة بخيبة النظرات التي تتوثب للقاء الأمل .

الذيل ينمو ليغدو جذع شجرة هرمة، متخشبة ، توقفت عن الحياة.

القاعة الرئيسية جاهزة ، الكراسي مرتبة ، الأوراق البيضاء.

يقف المدير معلناً قوانينه الجديدة .

رئيس النقابة:

- أُرحب بك سيدي المدير . هناك مشاكل كثيرة نرجو حلها.

مدير الإِنتاج:

- الإِنتاج في تراجع ، الآلات قديمة يجب تحديثها.

تتعالى الأصوات خارجاً. ابتهاجاً ببدء مرحلة جديدة

تصفيق ، أَغانٍ ، موسيقى ، أَيادٍ تتشابك تشكِّل صفاً من ذيول متصلة ببعضها .

يشير المدير بيده إلى الخلف.

يتجهون صوبها بخشوع . يشير إلى الطرف الآخر.

أتراجع للوراء . هم أمامي . يعكسون سيرهم .

يطلب إليهم بحركة أخرى الجلوس ، يجلسون . النهوض ، ينهضون .

يعلو صوت الغناء . الفرح بالقادم الجديد مخلص الأمل من قيوده .

تتزاحم في مخيلتي الذيول . تحتلها تماماً . لأرى كل شيء من حولي ذيلاً .

 


 الكاتبة عبير بدور ، من هيئة تحرير الموقع ، صدرلها رسائل ثلج يحترق 

 

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا