حال البلد - ستائر مخملية... جدا

حال البلد

لافتة إعلانية
10
Dec

ستائر مخملية... جدا

 انتظرته طويلاً عند باب الشرفة، ترقَّبتُ إطلالته وراء الستائر المخملية .

أزهر الربيع في موعده

خيَّم الليل في أوانه

لكنه تأخر

تُفتَح البوابة بشريط حريري لندخل سرداباً يتدرج الى قمة يعتليها بشموخ.

أقتل حلمي بصمت ، أحِّول كلامي لمتاهات مغلقة ، أعود . أستنشق رائحة عفونة حياتي ، أعلن بدء استسلامي لقدري الموجِع .

قال لي :

-         أكرهك

أدركتُ ذلك متأخرة ، حين كبَّلني بنظراته الحديدية ، أحاطني بهالة عصرت أنفاسي .

أقف وحيدة ، يلفُّني السواد ، يحتل أحلامي ، يقتل أملاًً أزهر مذ عرفته .

كلمة مزَّقت كياني ، بعثرته أشلاء حطام متكسر .

تحاصرني لحظات الانتظار ، تشحن مخيلتي بصور مبهمة .

كان يمجِّد بطولاته النسائية ، تمر ذكراهن كلفافة تبغ محترقة ، يهرسها بيديه في منفضة الماضي .

ينسج خيوطاً متشابكة لكلَّ امرأة ،يجعلها عارية، يعلَّقها على جدار الذكريات ، ليصنع من التعري خمراً تفترس النفوس .

ألمح ظِلَّه وراء الستائر وهو يضحك ساخراً. متسائلاً

-         ماذا تفعلين هنا ؟

تستقر مشاعري في قاع بارد ، لمحت بعينيه رهبة تكوي جسدي ، و في شفتيه سلطة تقوي عزيمتي.

-         أنا هنا لأجلكَ

أعود إليه .

في البدء كان . ثمرة نخيل نمت في خيالي ، مهداً أرعاه منذ الطفولة ، هدية السماء لنفسي العطشى للحب ، أيقونة توَّجت مشاعر عشقي للحنان .

كلماته توقظ فيَّ نشوة التحدي ، تفجِّر ثورة الابداع ، يشرق على روحي كلَّ صباح بوجهه المندَّى بماء الورد .

تميل الستائر مع حركة يديه ، تعانق بلوراً شفافاً ، تضمه بحنان ، يتحدا معاً ، وتذوب الهمسات في بحر من الصمت .

يتملكني ضعف قديم ، أنمو معه . يتغلغل في تفاصيل حياتي ، و قدرتي على اتخاذ أي مبادرة .

تجري دماء شيطانيَّة في عروقنا ، تقودنا لفقدان السيطرة على العقل

يمد يده ليصافحني من بعيد

تسافر أحلامي معه للحظات ، حيث نجلس على جسر عتيق ، داخل أمواج الضباب ، فنضيع فوق الدروب المغطاة بأوراق تشرين الصفراء .

أتسمر مكاني

تتعانق روحانا للحظات

حاولتُ إشعال نيران الأشواق بقلبه منذ البداية ، جعلت يدي‌‍‌َّ اسطورته .

عظمته تحيط بي ، تطوف حولي ، تلف روحي ، تحتويني بداخلها ، تعصر

 قطرات الحب ، تجمعها ، لتصنع باقة أملٍ يُتوِّج بها شعري الأسود المسدول

على أكتافي الطفولية الحالمة .

ولكنني ما زلت أوفى الأوفياء لكآبتي ، لحزني ، وأوراقي الممزقة التي تدغدغ الآلام داخل روحي .

يقولها ثانية بنظراته .

يخشى الاقتراب من مقصلتي . من حناني المتدفق . يرتبك . يضعف . حين يمسك بأحاسيسي . تثيره رائحة جسدي . تعبق بأنفه عبيراً ساحراً .

تتماوج الستائر مع النسيم ، أحاول تسلقها لأصل إليه ، أقفز أعلى السور الحديدي ، أتمسك بخيوط تنسدل بحرية .

صدى صوته صقيع يخترق أضلعي ، نظراته تصفرُّ منها أوردتي ، ينزف غضبه ثلجاً أحمرَ في حقول عمري . يحملني قسراً إلى منفاه البعيد ، لأغرق في بحور جنونه .

تنجلي ليلة العمر عند ستائره المخملية ، تتباعد روحانا في فضاء قذائف كلماته ، تطلق فجر حب ميت .  تقف عند بوابة قلعته المحصنة .

ولدنا توءَمَين من مخاض الحزن . توحَّدنا بالألم . فتحنا ثغر السماء . نلتقط شعاع نور الشمس الهارب .

أدركتُ أني أكرهه . حين التقينا خلف الستائر. فأحاطنا ظلالها ليبدِّد غشاوة الصمت

تركت المكان بسرعة .

أدفن اللحظات في مقبرة الحلم ، أنفض عنها غبار حبه العالق بجسدي

لا أعلم . هل أشتاق لروحي أم أغار منها بعد أنْ رحلت إلى حيث هو . لتسكن معه

لكنْ سأبقى أسافر من عينيه إلى يديه مروراً في طريق عودتي بأحضانه .




الكاتبة عبير بدور ، من هيئة تحرير الموقع صدر لها رسائل ثلج يحترق ، ولها سيناريو مسلسل تلفزيوني قيد الإنتاج


أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا