العقد الثالث

تكسَّرت أَجنحتي على وقع الأَوهام التي تلقَّاها رأسي . طافت كخريف الذكريات.

توقف كلُّ شيء . رحل إِلى مستنقع قديم.

أتفحص ملابسي ببطء شديد لأختار شيئاً يناسب عملي الطويل

أمسك بقطعة وألقي بأُخرى

 


تدخل أمي بابتسامة حزينة

- ملابسك تبدو قديمة ومحتشمة. عليك تغييرها.

ترفع أختي الصغرى رأسها . تبتسم بسخرية

-          بطلت موضتها منذ زمن

أَنظر في عينَي أُمي المتوسلة  لتحقيق آخر حلم لها .

توقَّفتُ أَمام المرآة . ولمْ أُجب

رأيت لأَول مرة بداية التجاعيد وهي تشق طريقها ببطء في أخاديد وجهي

-          أَسرعي . فقد  تأخرتِ .

أختار قميصاً طويلاً وبنطالاً أَسودَ وأُسرع بخطواتي على السلالم الطويلة

تبلِّل قطرات الندى خصلات شعري . تمنعها منَ الانفراد بحرية . عندما تتطاير مع نسمات الهواء الباردة .

تخرج كلمات من أفواه مليئة بالطين ، تتدحرج الأفكار صوب هاوية النسيان ، علها تفقد بعضاً من  قسوتها.

لَمْ تدنُ لحظة اليأس . حين تدفقت مشاعر الشفقة والقسوة أمامي في كأس من القهر والذل .لأشربها دفعة واحدة .

لم تكن الكأس الوحيدة التي قدمتها لي أمي بل تَساعَدَ في تقديمها كلُّ مَنْ حولي حتى جعلوا من الخليط بحيرات كبيرة لا تجف . وليتسنَّى لهم الحصول عليها كلما أرادوا الحديث معي أو رؤيتي .

أَصل موقف( السرفيس )

أَنتظر .....وأَنتظر

تمر السيارات على الطريق مسرعة، تسابق ظلال الأشجار الملقاة على جانبيه بإهمال

وأنا أنتظر مرور الأيام لتعبر أمام ظلي المهمل على قارعة الطريق .

الازدحام شديد هذا الصباح .عليَّ الإِبحار بين عشرات الرؤوس لأَجد مقعداً شاغراً يقلُّني إلى مكان عملي.

يهتز رأسي مع السيارة  بتواتر زمني ثابت . تضيق أحلامي بعمري المتناقص كل ثانية .

حلمت بالحب ، بحنان يتدفق كسيل من القبل  ، بعناق يفقدني السيطرة على الوقوف كشجرة صلبة

لكن الزمن حوَّلني لقطعة أثرية في متحف الأَيام القديمة،  شجرة هرمة في غابة الكنز المفقود، عمود خشبي اقتُلِع من جذوره ليستبدل ببرج من الحديد.

حوَّلني لطائرة مهددة بالسقوط عند أَول مطب هوائي،  قطار يشهق أَنفاسه الأخيرة في طريق عودته .

حوَّلني لقلم بلا حبر ، وحبر دون دواة ، ورسم لا ألوان به .

لبيت عتيق يلفه الضباب.

أَنظر حولي بتمعن . أُحدِّق في العيون المراقبة لحركاتي.

يشير الجميع نحوي بإصبع الاتهام والإدانة للسنوات التي مرت دون عقد زواج.

يتضمن ثمن الأَيام التي سأُمضيها ،  شروط نهايتها ولا مانع من الفائدة في حال ختمت المدة بألمٍ دامٍ .

نساء يدخلن معترك السياسة ، الاقتصاد، الفضاء

وأُخريات تتقاذفهن أَمواج التغيير والسباق للحصول على آخر ابتكارات الأزياء .

يعترفون بفضل الرأس النسائي المخطط للحروب حين يهتدون بنصائحها.

غرغرت دموع الألم بعيوني المرهقة

يمضي الزمن دون عودة . المقياس الوحيد هو الساعة التي تجري كانسياب دموعي دون انقطاع .

زمن لن يتوقف حين تجف الدموع ،  يمضي غير مكترث بما يجري حوله.

يرسم أشخاصُُ ُ واهمون حياتَنا كما تشاء التقاليد و العادات التي توارثوها منذ ألفي عام

العقد الثالث هو رأس المعضلات  في تاريخ حياة الفتيات أمثالي.

أنزل من السيارة عند وصولنا وسط المدينة

أَعلنتِ المحلات التجارية بدء استقبال الزبائن باكراً.

أمشي وسط النسوة اللواتي يتدفقن إلى الاسواق ليبتعن ما يلزم لأُسرهن ، ينظرن هنا وهناك بالأشياء المعروضة على طرفي السوق لاختيار الأشياء المهمة أو التى تلزمهن أكثر من غيرها.

يقول أحد البائعين:

-          تفضلي ( مدام ) ، لدينا كل شيء .

أنظر إليه بازدراء ، أُشيح نظري عنه

يغريني الثوب الأبيض بواجهة أحد المحلات . للسفر إلى المجرات البعيدة . أَقطع أَميالاً صوب الشمس ، أَرسو فوق غيمة ربيعية فأَطوف على متنها الكون الواسع.

تحترق أحلامي بلهب قادم من أحد القناديل المعلقة بفضاء روحي.

نسوة يحلمن بإنجاب العديد من الأطفال لإرضاء أزواجهن . على أَنْ يكون جميع المواليد ذكوراً.

تمر أيام عمري بقسوة . نحتُّ فيها صخرا من هموم ، تعب ، دراسة ، عمل ، أوزار كل الحياة بمصائبها ونكباتها.

أردت تحقيق أحلامي برحلتي القصيرة.  وضعت قدميَّ في بداية السلم . أُفكر

بصنع مستقبل مشرف .

وتضيع مفاتيح الحياة . في محاولة  لاصطياد آخر شعاع للنجاح في أَيِّ مجال .

أناس يحيون و يموتون . كأنهم لم يولدوا ،لا يطلبون منَ الحياة شيئاً إلا َّ وترفضه الحياة .

الوحدة هي المأساة.

تتوالى النسخ في أمكنة متفرقة من العالم ونحن ما علينا سوى التقليد

شوارع أندونيسيا تشهد مظاهرة لحمل الطناجر المليئة بمنتجات الريف . لبيعها بأبخس الأثمان .علَّها تتمكن من إعالة اسرتها المؤلفة من عشرة أطفال على الأقل.

يعتري إِحساس الأمومه جوارحي. يقف شبحاً في طريقي . ومشاهد الناس تدخل المحاكم كالنمل الموعود بغنيمة العيد ، يخرج أفكاري من حرارة الأحاسيس إلى صقيع الواقع . يجمِّدها . يلقيها بمنطقة نائية. مهملة من زوايا أَحلامي .

يحمل الشتاء  حقائبه البيضاء . يمضي بعيدا، الساعة لا تتوقف . خصلات شعري تطير بحرية رغم قطرات الندى .



أنت الآن هنا