لم تكن المجزرة قد وقعت !
كانت سفن أسطول الحرية تبحر باتجاه غزة المحاصرة.. كانت السفن تشق مياه البحر وهي واثقة من قداسة مهمتها .. كان على متنها نحو ثمانمائة متطوع لفك الحصار عن غزة من شتى الجنسيات في العالم ..
أربعون جنسية كانت على متن هذه السفن، يعني أن كل جهات العالم كانت تتمنى فك الحصار عن غزة .. أربعون صوت من أرجاء العالم يحلمون بفك الحصار على غزة ! أربعون صرخة بمختلف اللغات ومن مختلف أرجاء العالم كان يأخذها الموج إلى كل الضفاف .. كانوا يتوقعون كل شيء، لكنهم لم يكونوا يتوقعون وقوع مذبحة!
كان هناك رجال دين مسلمين، وقد تضرعوا إلى الله أن يحمي شعب فلسطين ، وأن يوحد كلمة المسلمين والعرب لمواجهة مايحاك لهم على مدار الساعة .. كان هناك رجال دين مسيحيين ، وقد تضرعوا إلى الله أن يحمي شعب فلسطين ، وأن يعم التسامح والمحبة هذا العالم ..
كان هناك قلوب تخفق بحلم كبير سعيد للبشرية ، وكان هناك قلوب تخفق بسلام يعم هذا العالم .. كان هناك كتاب وصحفيون من كل جهات الأرض ، وكان هناك كاتبة سورية اسمها شذى بركات كانت تحلم بالوصول إلى حي الشيخ رضوان في غزة لتضع وردة باسم السوريين على أشلاء شيخ المقاومة أحمد ياسين وبقايا دراجته التي قصفتها الطائرات بعد صلاة الفجر!
كان هناك على متن سفن أسطول الحرية إصرار بأن الإنسان خلق ليعيش لا ليحاصر، وأن الاحتلال سيسقط ، وأن المعتدي سيموت قهرا ذات يوم وهو يقلب دفاتر جرائمه وحيدا في عزلته .. !
كان هناك شيء أكبر وأعظم من كل هذه الأحلام .. كان هناك إرادة !
فجأة توهج سطح البحر من حولهم بأضواء ساطعة ، واشتعل صمت الموج الهادئ مع لحظات الصباح الأولى بصراخ الجنود الاسرائيليين يريدون أن يوقفوا سفن الأسطول ويرغمونها بالذهاب إلى ميناء أشدود !
صار للصراخ المرعب بلغة عبرية معنى دمويا في لغة البحار !!
تحول ليل شرقي المتوسط إلى ساحة حرب !
لم يكن البحر يتوقع أن تحصل مجزرة على متن هذه السفن التي أطلقت على نفسها اسم أسطول الحرية ! كان البحر يتوقع شيئا آخر .. يتوقع أن تعود السفن محملة بزغردات نساء غزة وهن يأخذن الطحين .. كان البحر يتوقع أن تعود السفن محملة برسومات حلوة لابتسامات المعاقين الذي قطع العدوان أرجلهم وأيديهم .. كان البحر يتوقع أن يسمع غناء جماعيا لثمانمائة متطوع يعلنون فيها بكل اللغات أن العالم حلو بلا عدوان .. وأن الحصار يمكن أن يموت عندما تتجمع كلمة العالم على نقل الأمل للمحاصرين !
لم يتوقع البحر أن تنشب المعركة بين البوارج والفرقاطات المدججة بالسلاح وبين المتطوعين المدججين بالإرادة وحب الانسان للانسان ..
سمع البحر صراخا .. سمع الموج أنينا مكتوما لعشرات الجرحى .. سمع السمك آخر حشرجات الشهداء التسعة عشر !
تلك الليلة .. أو ذلك الفجر .. فعل أسطول الحرية مالم يتمكن العالم كله من فعله .. لقد فك الحصار عن غزة ، وحاصر العالم كله .. حاصر العالم كله بالشهداء الذين سقطوا والجرحى الذين أصيبوا .. وكان على العالم أن يفك الحصار عن نفسه بتأديب إسرائيل !!!!
الكاتب عماد نداف ، كاتب وصحفي سوري معروف