البحث عن القامات! ذلك العجوز الذي أرقتني أسئلته!

لا أعرف ما الذي خطر على بال ذلك العجوز الذي جلس بجواري ليسألني ذلك السؤال الذي قض مضجعي منذ نحو سبعة أعوام! 
عرف ذلك العجوز أنني كاتب أو صحفي.  قاس طولي وعرضي بعين ثاقبة، وتمعن جيداً في كومة الصحف والكتب التي أحملها، ثم سألني دون تردد 
ــ هل تقرؤها كلها؟ فقلت
ــ لا.. ع التيسير.. أحياناً لا أقرأ شيئاً منها! 
ضحك العجوز . وأخبرني أنه يحب أن يقرأ كثيراً، لكن البصر لا يساعده.. وقال لي، بعد لحظة صمت 
ــ لمن تقرأ من شعراء هذه الأيام؟!، فأجبته
ــ لمحمود درويش.. قرأت له كل أعماله؟ 
سألني، وكأنه يريد الوصول إلى نتيجة محددة، يعرفها ـ ولمن ستقرأ بعد محمود درويش وعمر أبو ريشة ونزار قباني وبدر شاكر السياب؟! 
قلت له لم أفهم قصدك! 
ضحك، وتابع الأسئلة
ــ  من هم كتاب الرواية الذين تلتهم قصصهم وكتبهم بحب وشوق؟! 
راقت لي لعبة العجوز، فأجبته
ــ نجيب محفوظ وحنا مينه وفارس زرزور وزكريا تامر وعبد الحليم عبد الله وسهيل إدريس ويوسف السباعي.. 
فأعاد سؤاله الأول، وهو يقاطعني قبل أن أتابع سرد الأسماء
ــ ولمن ستقرأ بعد هؤلاء؟! 
ثم أضاف مستدركاً، وكأنه لا يريد تسخيف لعبته 
ــ هل لاحظت معي يا ابني أن القامات تختفي؟! تختفي في كل شيء من حولنا، وكأننا سنتحول بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة إلى الخواء!؟ 
مسح فروة رأسه، ومضى يتابع وجهة نظرة المخيفة، ينقل إلي فيها رسالة ثقافية وأخلاقية على غاية من الأهمية 
ــ عندما نفقد القامات في أي مجال من مجالات حياتنا، تنهار منظومة التطور فيها، وعندما تتحول القامات إلى ببغاوات تدَّعي الثقافة والإبداع ولاتعطي شيئاً، يبدأ عصر ظلام مرعب! 
ثم أمسك العجوز كتفي، وقال 
ــ احذر يا بني أن تكون كاتباً أو شاعراً أو رساماً دون أن يحترمك الناس! ثم ألا تلاحظ معي أن الأسماء تختفي من حولنا، ولانعرف لمن نقرأ أو نسمع أو نقلد؟ هذا يعني أن هناك خطراً ينذر بتراجع كبير في المجتمع! 
وصمت.. وتركني صامتاً تكاد الكتب والصحف التي أحملها تفلت من يدي، لترتمي على الأرض!

الكاتب عماد نداف كاتب وصحفي سوري ، نشرت في النور 
أنت الآن هنا