شوارع سورية الآمنة !

آخر مرة غادرت ابتعدت فيها عن سوريا مسافرا كانت قبل نحو سنتين ، ومن عادتي أن أستيقظ عند الفجر وأمشي في شوارع المدينة فأنا أحب المشي ليلا وأحب بدء حركة الصباح، وقد تعودت منذ أكثر من ثلاثين عاما على ذلك حتى لو كنت مسافرا!!


لهذه المسألة محاسن كثيرة، وبعض المساوئ ، ولكني في كل مرة أحاول التجول فيها لحظات الفجر في بلد غير سورية أشعر بالخوف ، فما أدراني ما الذي سيحصل معي، وأمريكا أقوى دولة في العلم تطلب من زوارها الرسميين عدم الابتعاد عن فنادقهم أكثر من خمسمائة مترا !

راودني هذا الإحساس في أكثر من بلد ، إلا في سورية، وفي الشهرين اللذين مرا ، تجولت في مختلف مدن سوريا، وبالطبع لم تتغير عادتي، وكنت أتجول عند الفجر في كل محافظة زرتها ، وقد سحرتني هذه العادة ، فالشوارع هادئة، والأسواق المغلقة تشعرني بالطمأنينة ، وبقايا الضوء في البيوت الساهرة تشعل في حنينا للتعرف على أهلها ..

شوارع المدن السورية تشبه شوارع مدينة دمشق تماما، كل شيء يوحي إليك بالدفء، حتى صرير الأحذية على الأرصفة الباردة في الشتاء يوحي إليك بحرارة ما.. فأنت ترى الناس واثقين من خطواتهم ، يمشون كل إلى هدفه وفي عيونهم لمعة خاصة وإصرار على التغلب على مصاعب الحياة !

عدت إلى دمشق في آخر رحلة لي، وأنا أسمع تهديدات إسرائيلية بالحرب على سورية. كانت تلك التهديدات لئيمة جدية تعبر عن غيظ كبير من بلدي، فأشعرني ذلك بالضحك ، وبالطبع راودتني كل الأسئلة، ورحت أحلل وأخمن إلى أن جاءني السؤال الطبيعي الأخير : هل سيتغير في بلدي دفء الأرصفة والبيوت ؟ هل سيخاف السوريون من تلك التهديدات ؟!

خرجت إلى الشارع عند الفجر، كانت السماء تكشط العتمة عنها من جهة الشرق، ومن جهة الغرب كانت السماء لاتزال داكنة تنتظر يد الفجر!

مشيت في الشوارع ، تراءت لي صور الحروب التي مرت، وسمعت صوت صفارات إنذار قديمة ، بعضها عندما كنت طفلا في عام حزيران سنة 67 ، وبعضها عندما كنت فتى في تشرين عام 73 ..

استعدت كل شيء من تلك الحروب : الهزيمة والانتصار..  لكن تلك الصور التي استعدتها ، ترافقت مع صور أخرى عن الخوف في إسرائيل والإصابات بالهلع والسكتة القلبية عند سكانها، أما في صورنا ، فظهرت الصورة الناصعة لسكان دمشق وهم يتفرجون على مشهد من مشاهد التاريخ عندما تهاوت الطائرات الإسرائيلية !

كان ثمة صورة أخرى ، تلك الصورة التي لم تحصل في كل العالم وكل الحروب : صورة السوريين وهم يتراكضون لالتقاط الطيار الإسرائيلي الذي سقطت طائرته!

مشيت في شوارع دمشق ، وأنا واثق من أنها ستبقى آمنة .. آمنة .. لأننا سندافع عن أمنها بكل شيء !!

 


((بين قوسين)) شوارع سورية الآمنة !  كتبها هذا الصباح : عماد نداف !

 

أنت الآن هنا