وأنا أقرأ بريدي الإلكتروني اليومي وصلني هذا الإيميل، من صديق عزيز كاتب وباحث مرموق، وأنا سأغفل اسمه لأنني لم أستأذنه، ولن أسأله حتى عن هذه الخطوة.. تقول الرسالة التي بعثها صديقي:
(أنوي بيع مكتبتي أو إهداءها، فمن يرغب منكم في الحصول على كتب تهمه (إهداءً مني) أرجو تزويدي بعناوينها كي أرسلها له علماً أن المتبقي لدي نحو ثلاثة آلاف عنوان. كما يمكنكم تحديد موعد لزيارتي كي تحصلوا على الكتب التي تشاؤون في المنزل أو في مكتبي في تشرين).
هكذا ببساطة يخرب الصديق مملكة الثقافة في بيته، ولا أعرف لماذا، ولن أسأله عن ذلك، لكني سأذهب في تحقيق خيالي لأخمن لماذا يفعل ذلك، ولماذا يفعل الآخرون ذلك! لماذا تباع الكتب على الأرصفة أو ترمى سراً في الحاويات كالمناشير السياسية الممنوعة؟ فقد راودني هذا السؤال وأنا أقرأ قبل نحو شهرين إعلان كاتب سوري كبير، هو حنا مينه، عن رغبته في بيع التحف التي عنده؟!
في تخميناتي، وتوقعاتي، وطبعاً هي لاتحمل شيئاً من السوداوية، فإن هذا الإعلان عن بيع المكتبة أو إهدائها، مرده إلى انشغاله على مدار الساعة بقراءة المواقع الإلكترونية ومراجعة الكتب المنشورة على الإنترنت.
أو ربما يكون قد شعر بالإحراج أمام هذه الكتب التي قرأ الكثير منها، ولم يجد حلاً أو طريقاً يقدم فيه شيئاً إلى غزة المحاصرة من فوق ومن تحت وعلى جميع الجهات، وكأنها عكا أيام نابليون، فما فائدة هذه الكتب إذاً!؟
سأكون أكثر تفاؤلاً، وأتوقع أن صديقي يقدم هذا الإعلان ليحث الآخرين على القراءة، وقد انتقى ثلاثة آلاف عنوان يود لو أن أصدقاءه يقدمون على قراءتها بدل أن يكدسها هو في البيت، فتشغل حيزاً كبيراً في غرفه، أو تتحول إلى مكان لتجميع الغبار.
وهنا توقُّع طريف مرده إلى أن زوجة الصديق ( مع احترامي لها) ظالمة، وقد هددته بالفراق إذا لم يرمِ بهذه ( الكراكيب) بعيداً عنها!
كل هذه التوقعات لم تتمكن من إرضاء فضولي، لذلك عدت إلى قصتي التي نشرتها قبل سنوات طويلة تحت عنوان (الرجل الذي أحرق الكتب!)، وعند ذلك حاولت فك خيوط اللغز:
نعم، لم تعد الثقافة تطعم خبزاً، ولا يستطيع كاتب هذه المقالة (يعني أنا)، أن يشتري صفيحة مازوت بثمنها، بل لا يستطيع أن يدفع ثمن فاتورة الكهرباء بمردود عشر زوايا من هذا النوع. وإذا كتب مقالة لصحيفة عربية ( من جماعة الدفع) فمطلوب منه أن لا يتعاطف مع سورية إلا من بعيد، وأن لا ينتقد الأنظمة العربية إلا من بعيد، ولا يحكي على حصار غزة العربي، وأن لا يكتب في الجنس ولا في الدين ولا في الطائفة.. مطلوب منه أن يتحول إلى كاتب فراغي سوريالي تكعيبي يغازل أبدية رامبوفي قصيدته فصل في الجحيم والبحر المختلط بالشمس، أو يحاكي عبثية بيكيت في انتظار غودو، أو يتحدث عن المغنية الصلعاء ليوجين أونيل.
نعم.. أنا كتبت في قصتي (الرجل الذي أحرق الكتب) أن هناك أفعى كانت تفح داخل الكتب، هذه الأفعى أخافت صاحبها الذي وضع الكتب على السقيفة فقرر حرقها!
هل تفح الكتب عندكم لكي ترموها أو تبيعوها أو تحرقوها؟!
عماد نداف - نشرت كذلك في النور السورية