الفتى الذي دعت عليه أمه

بسبب غياب زاوبة الصديق والزميل عماد نداف هذا الأسبوع والأسبوع التالي لا نشغاله  بعمل تلفزيوني يأخذ كل وقته تعيد نشر هذه المقالة بناء على رغبة بعض الأصدقاء وهي مادة  كانت قد نشرت في العدد الثالث من الموقع قبل فترة  و لم يتسن لهم الاطلاع عليها بسبب نقل مواد الموقع إلى النسخة الجديدة .  التحرير

" من كتابه سمر الأخوان في ليالي رمضان " نشرت في " الناقد " عدد 72 ك1 1994 .



"ومن اللطائف التي تذكر عن عبد الرحمن النقيب رئيس وزراء العراق الأسبق إنه كان بعد تأليفه الحكومة الوطنية سنة 1920 يردد كلمة الديمقراطية (.....) وقد زار النقيب                                                                              ذات يوم أحد شيوخ القبائل المسنين ،فسأله عبد  الرحمن إن كان يجب الديمقراطية ويريدها فقال الشيخ : يا محفوظ قالوا لنا ازرعوا البطاطا فزرعناها ، وقالوا لنا ازرعوا الباذنجان والفاصولياء فزرعناهما ، فإذا أردتمونا أن نزرع هذه الديمقراطية فاجلبوا لنا بذورها ونحن نصدع في الأمر" .

(من كتاب مير بصري ـ أعلام السياسة في العراق الحديث ـ الريس 1987 ـ بيروت ).

تمهيد

هذه الملحمة ولا أحد يعرف اسم مؤلفها ،قديمة بل موغلة في القدم ،إذا لم نعتبر الزمن وحدة ثابتة من دوننا ، وإذا كان المؤلف مجهولاً فإن مسرح أحداثها لا يمكن تحديده جغرافياً ، إلا بعبارة وردت في نصوص أخرى تقول :ومن الماء إلى الماء أقبل حذاء إلهي ، ومن النافل القول بأن الله كان يتقمص شخص الحاكم أو لعل العكس هو الصحيح . وبالطبع فإن ما بين يدي القارئ الآن ، ليس إلا ترجمة أمينة نقدمها إلى قراء ومتنوري د.د.ت ( دولتنا التقدمية الديمقراطية ) ليروا عظيم ما هم فيه من أمن وعز وبلهنية عيش في ظل أشرف وأعدل حكومات خص  بها الرحمن عباده المقيمين بين محيط وخليج .

النص

الفتى،العاثر الحظ، الفتى

الذي صرخت أمه لما وضعته ، الفتى

الذي أبصر النور ولم يبصر الطعام ، الفتى

الذي كانت سته تبوسه وكأنها تلعق طاسات هوا: أووم..موق ، الفتى

الذي كان يتظاهر ضد الجوع ووالبرد ويهتف : وع وع واع ، الفتى

الذي كان يلطشه أبوه على بوزه بالصرماية ،دائماً ، الفتى

الذي كان يأمره أبوه :سد نيعك يابن الكلب ، الفتى

الذي كان يتضارب مع أولاد الجيران فيدميهم ويدمونه ، الفتى

الذي تلقن وحف أسلوب كل أستاذ في السلخ ، الفتى

الذي مات أبوه بعقصة حية في ارض معلمه ، الفتى

الذي ماتت أمه بالفالج وستَّه بالقهر الشديد ، الفتى

وظل وحيداً ، الفتى

الذي لم يجد ميراثاً غير الدروب المشاع ، الفتى

الذي بحث في الدوائر العقارية عن خريطة لقمة تركها أبوه ، الفتى

الذي لم يجد في الدوائر الرسمية إلا التاجر والفاجر وقطاع الدروب ، الفتى

الذي حاول أن يعمل ولكنه " بلا خبرة " قالوا ،ولا يعرف شيئاً ، الفتى

الذي راح يبحث عن لقمة يسد بها بوزه كما كان أبوه يأمره ، الفتى

الذي رأته عاهرة فسألته ، العاهرة سألت الفتى : الفتى

أيها الفتى إلى أين أنت ذاهب أيها الفتى ؟ الفتى

اللقمة التي تبحث عتها لن تجدها ولو طلعت روحك ، الفتى

فالحكومة لما خلقت الأشياء ، يانور عيني ، يا فتى ، الفتى

خلقتها على مقاس أدبار وأفواه موظفيها يا فتى ، الفتى

وخلقت أشياء أخرى على مقاس أدبارنا وأفواهنا ، يا معثر يافتى ، الفتى

قال الفتى ، تنهد ورفع رأسه ، متحسراً تكلم الفتى ، الفتى

أهلي ماتوا وأنا لاحق بهم  ، أنا المشحر المعثر أنا الفتى ، الفتى

الجوع ظلي والخيبة هويتي أنا القليل الحظ أنا ، الفتى

لا أعرف معنى للحياة بل لا أعرف الحياة أنا ، الفتى

سر الحياة مكتوب على لقمة ، هكذا قيل لي أنا ، الفتى

مصمصت العاهرة بشفتيها وقالت : جحش هذا الفتى ، الفتى

اللقمة التي يبحث عنها لا تصلنا إلا من وسيع فروجنا ، الفتى

بليلة ، ذات نكهة ، ممعوسة ، نجسة ، جحش هذا الفتى ، الفتى

خبزنا من عرق فروجنا ، آه ما أجحش هذا الفتى ، الفتى

تصئـ... تصئـ ..تصئـ .. ماأبلد هذا الفتى ، الفتى

يبحث عن سر الحياة ، الفتى

حياتنا أضواء خمدت وأرواح هشمت ، وسعال كثيف البلغم ، الفتى

ما أتيس هذا الفتى ، الفتى

لن تكون حياة تلك التي تعطى للفتى ، الفتى

................

..............

............

النص مشوه ، ولكن يفهم من السياق ،إن العاهرة بعد أن تمصمص بشفتيها ،وتشعل سيجارة نيكوتينها أقل وقطرانها أقل ونكهتها حقيقية تتوج المتعة وتكملها ، وبعد أن تسحب نفساً وترقع ثلاث سعلات متواصلة ذات خشة ، ثم تطرقع بعلكة شيكليس وهي علكة ممتازة ذات نكهة خاصة كما قيل عنها في لوح ترجم حديثاً ، وأنها كالبيانات السياسية تطرقع وتفرقع وتعمل بوالين حلوة جداً جداً جداً ، وهي من صنع بلاد برا، وقد كتب عنها كتاب عظيم اسمه "الحداثة والأصول بين تشكليس والمصطكى " وبعد أن تنفخ العاهرة بالوناً تذبذب به لسانها فيه ،تسند كنفيها إلى حائط وتنظر إلى الفتى مولياً :

عظيم ، قالت العاهرة ، جسيم خطأ الفتى ، الفتى

لقد ولد ، فأية جسارة وأي حمق ، ارتكب ، الفتى

جاء يفعل ماذا ؟ وهو ابن صفرين وعلامة طرح ، الفتى

لو أنه ولد مثلنا كان استفاد قليلاً ، الفتى

لكنه.....

(النص مشوه )

-2-

كان الفتى يبحث عن لقمة ، الفتى

عن لقمة في سلة قمامة كان ، الفتى

غارقاً كذبابة سكرى في القمامة ، الفتى

كان يهمهم ويدمدم متحمساً ، الفتى

سمعه حاد الأذنين ، السيد حاد الأذنين سمع ، الفتى

السيد حاد الأذنين ،صافي المقلتين ،سمع رأى ، الفتى

أمسكه بكماشة ، سلامياته نظيفة ، من قفاه ، الفتى

السيد حاد الأذنين ،صافي العينين ،أمسك الفتى ،الفتى

أنت موقوف ،إمش معي ، السيد قاطع الأمر ،أمر الفتى

قليل الكلام ،بليغ القول ،رقعه لبطة للفتى ، الفتى

امش ساكتاً ،قال حذاء السيد للفتى ، الفتى

مشى الفتى ،والكماشة تضغط على خناقه ، الفتى

.......

(أربعة أسطر مطموسة كلياً ولكن العلماء يستنتجون من السياق أن الفتى قد وصل ) ووصل الفتى ، و......ل ....الفتى .

-3-

ادخل الفتى ،الـ(ـفـ)تى .....،الفتى

ألقت به الكماشة أمام مكتب فعثر على نفسه هناك ،الفتى

رفع رأسه فرأى الأنوناكيين ، الأنانوكيين رآهم ،الفتى

قضاة الموتى ،آلهة العالم السفلي ،رآهم ،الفتى

رأى الأنوناكيين يحيطون به، رآهم الفتى

في عالم الداخل مفقود والخارج ابن قحبة ،رآهم ،الفتى

بجلده ،بوجعه ،بورم عينيه ،بنجوم الظهر،رآهم ،الفتى

أمة ً مجتمعة متحدة عليه ،رآهم ،الفتى

خلفهم رأى عبارة ،عبارة شاهدها الفتى ،الفتى

بجميع حواسه ،رآها،الفتى

رآها ، قرأها، قرأها ، قرأها، قرأها ، استوعبها ،الفتى

Lasciate ogni speranza voi chentrate

سين .....(الـ)ـفـ(تى )

جيم ...أنو...لله ...(الفتـ) ى

و....

ثم .....

عاووووه..

تعالى ...،الفتى

و...تعرف ....،الفتى

كل شيء .....عمـ(يل ) ، امبريـ(ـالية)،الفتى

انبطاحي،رجـ(ـعـ)ي ،أخو...موطة ،الفتى

ثم ...

يابيااااه.....آآآآآوه.....،الفتى

........الفتى

حرام،قالت العاهرة ، الشوط بربع مثقال ، حرام أقل ،الفتى

....وووه،....... ،الفتى

وضاع الفتى ،الفتى ،الفتى الذي كان ،الفتى


-4-

حق القضاء الذي فرضه ملك الملوك ، صاحب الجبل على الفتى،الفتى

لقد رقد الفتى ولن يقوم ثانية ، الفتى

الفتى لن يقوم مرة أخرى ،الفتى

لقد قهره العدل الملكي، نكح أم الذي اخترعه ،الفتى

رغم طيبة قلبه ،ولطيبة قلبه ، لن يقوم ثانية، الفتى

نمتار ،المصير التعس ،التعثير المطلق ،السخام الأزرق،جثم على الفتى

نمتار الذي لا يد له ولا رجل ،الذي لا يشرب ماء ولا يأكل خبزاً ،ركب على الفتى، الفتى

عاد إلى عناصره الأولية ،ذوبوه في الأسيد ،الفتى

تعلم أن الولادة من تنك ،وأن الموت الطبيعي ترف بورجوازي ،الفتى

إن الموت في حادث سير من ذهب وأحجار كريمة ،الفتى

عاد إلى أهله وأترابه ،فوجد عناصر راجعة كعناصره ،الفتى

عناصر كثيرة ،تعلمت مثله ،وجدها ،الفتى

وجد أنداده الكثر ،الفتى

الفتى الذي لم يكره مولاه الحاكم ،الفتى

لم يكره لأنه كان مشغولاً بجوعه وفقره ،الفتى

بل قال أنا جوعان ،أنا .....الفتى

الفتى الذي ....

الفتى الذي ......

...... يا شحاري على الفتى ،الفتى

هنياً لأمة ماتت وما ذاقت حسرته ، الفتى

.................. الفتى

وعاش سيدنا ومولانا وحامي حمانا وقاهر أعادينا ورافع رأسنا كما يرفع أشياء أخرى ، قائدنا المفكر عنا ،المقرر مصائرنا،الكاتب فكرنا،المنظم أحوالنا ، المؤسس لعدالتنا ،قائدنا عاش يعيش يا .

....

" تمت الملحمة "

ملاحظة : العبارة الإيطالية هي لدانتي وتقول : أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل ، وهي عبارة منقوشة على باب الجحيم .




تمت

كتابة النص  : حال البلد 


أنت الآن هنا