"الأمانة السورية للتنمية"! بالتأكيد سمعتم باسمها. إذا لم تكونوا، فتستطيعون أن تنظروا حولكم لتروا أن العديد من المشاريع التي تحظى بدعاية واسعة النطاق تقع، بشكل أو بآخر، تحت رعاية "الأمانة" هذه، قبل أن تتحول إلى.....
جديد : اقرأ التعديل على المقال الذي نشره موقع نساء سوريا www.nesasy.org اليوم بقلم بسام القاضي
تنشر بالتعاون مع موقع نساء سوريا
ولذلك، لم يكن مما يخطر في البال أن تصير هذه الأمانة، فجأة، ذراعا ضاربة للفكر الظلامي الأسود الذي صاغ مشروع تفتيت سورية، وحماه، وروجه، ومن ثم راوغ فيه مدعيا أنها ألغاه، بينما في الحقيقة تعمل الأيادي السوداء على تمريره بتعديلات تافهة، وبرعاية فذة من وزارتي العدل والأوقاف!
الأمانة اليوم، التي تحمل في اسمها ثلاث مفردات سامية، تخلت اليوم دفعة واحدة عن سمو مفرداتها، وبالطبع، عن سمو غرضها وأهدافها، بعد أن ضربت ضربة سوداء في صميم العمل الحكومي الذي يبذل جهودا كبيرة لتحقيق بعض التقدم في مجتمعنا.
فما القصة؟
إنها بسيطة. قبل ثلاث سنوات ونصف وقعت الأمانة تلك (أو المؤسسة) عقدا مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة، تكفلت فيه بدفع رواتب خمس خبراء على مستوى عال اختيروا بدقة بالغة، وشارك في اختيارهم خبراء أوروبيون، للقيام بالمهام الصعبة والمعقدة التي أوكلت للهيئة السورية منذ تأسيسها (2003). وجرى استثناء هذه الرواتب من نظام الأجور المعمول به في سورية، نظرا للخبرات التي يتمتعون بها، التقييم العالي لمعارفهم وأدائهم المتوقع. ووقعت الأمانة معهم عقودا سنوية تجددت منذ ذلك الوقت. وكان آخر تجديد لها قبل نحو شهرين. أي قبل انكشاف المشروع الأسود لتفتيت سورية إلى دويلات طوائف، بقليل! ولم يكن هناك أي مشكلة أو ملاحظة تجاه هؤلاء الخبراء الخمسة الذين شكل العقد بين الهيئة السورية لشؤون الأسرة، والأمانة السورية للتنمية، غطاءهم المالي.
لكن ما جرى خلال الشهرين الماضيين على انكشاف المشروع الأسود، غير قواعد "اللعبة". فالأمانة التي ظننا أنها لا يمكن أن تخضع لاعتبارات دعوى الحسبة، وحد الجلد، ودعوى اللعان، ومنع المرأة من العمل والتعليم، وزواج الطفلات في الثالثة عشرة من عمرهن، على الأقل بسبب المفردة الأخيرة في اسمها (التنمية!)، تكشفت اليوم عن أنها في واد آخر تماما!
فقبل أيام، وفجأة، ودون سابق إنذار، وبلا أي مبررات من أي نوع، أرسلت الأمانة السورية للتنمية، تلك، إشعارا قطعيا للهيئة السورية لشؤون الأسرة أنها توقفت عن دفع رواتب الخبراء الذين اختارتهم هي، والذين جددت عقودهم قبل أسابيع فقط!
دون مبررات، دون إنذار! وفجأة! وبعد معركة المشروع الأسود الذي كان هؤلاء الخبراء ضده قلبا وقالبا لمعرفتهم اليقينية أنه لا هدف له سوى تفكيك الدستور، وتدمير المواطنة، وهو ما يتناقض تماما مع عملهم، وقيمهم، وحتى عشرات العقود التي مضت من حياة بعضهم!
دون مبررات؟ نقصد دون مبررات مكتوبة في قرار الأمانة بعقاب هؤلاء. عقابهم الجماعي على الكثير من الأمور التي تكشفت قبيل المعركة مع المشروع الأسود، فهؤلاء الخبراء هم من وضعوا مشروع قانون حقوق الطفل، الذي يعد بحق مشروع قانون متقدم رغم بعض الملاحظات عليه! وهو مشروع أثار حفيظة رجال الكهوف في وزارتي العدل والأوقاف! أولئك الذين يحلمون بعودة عصر الحريم والغلمان والكعاب! أولئك الذين يحبون، أكثر ما يحبون، أن تهدم المدارس، خاصة المدارس التي تضم فتيات، ليقيموا على أنقاضها مدارس التطرف والتكفير واللاإنسانية!
وهؤلاء، هم من وضعوا مشروع قانون صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي (بالتعاون مع الاتحاد العام النسائي) هذا المشروع الذي زلزل الذكور الذين لا يرون في النساء سوى كائنات للنكاح سبق أن دفع أجرهن مسبقا عبر المهر، فحق استعبادهن بكل المعاني! ولا يرون في الطفلات سوى فروجا طرية من حقهم أن يعوضوا ما فاتهم في حياتهم السوداء فيستمتعوا بهن كما يستمتع تاجر الرقيق بالقوادة على الطفلات! أو كما يستمتع مغتصب مختل باغتصاب طفلة على غرار ما جرى في حلب قبل وقت قصير، وهم لا يختلفون عن تلك العصابة سوى أنهم يريدون ذلك تحت مسمى "الشرع"!! وهو منهم ومن جنونهم براء!
وهؤلاء، المطرودون من الهيئة السورية لشؤون الأسرة عقابا لهم، هم من اعترضوا بشدة على مشروع القانون الأسود. في الحقيقة هم الوحيدين الذين ردوا وقتها على رئاسة مجلس الوزراء بمذكرة من صفحتين تظهر أن هذا المشروع يتناقض بكل حرف فيه، وليس بكل كلمة فحسب، مع الدستور السوري، والاتفاقيات الدولية، والإسلام، والمسيحية، واليهودية، وكل اعتقاد سام مهما كان.
ولكن، ما علاقة رئاسة مجلس الوزراء؟ إنها قصة بسيطة. إضافة إلى الكثير من التفاصيل، لا يمكن للأمانة السورية للتنمية أن تتخذ مثل هذا الإجراء دون غطاء من رئاسة مجلس الوزراء. فهي تعرف أن هذا قرار خطير على كافة المستويات، بما في ذلك مستوى سمعة سورية الخارجية. فهؤلاء الخبراء لهم مكانتهم وسمعتهم في كل اللجان الدولية والإقليمية المعنية بقضايا الأسرة. وفصل خمسة دفعة واحدة هو "عقاب جماعي" وليس فردي. وبما أنه لا يوجد أي سبب في قرار "تخلي" الأمانة عن دفع رواتب هؤلاء، وبما أن الأمانة قد وقعت على تجديد عقودهم قبل أسابيع فقط، فلا يعود الأمر يحتمل أي نوع من الشك، خاصة لمن يعرف مدى استياء اللوبي الثلاثي: رئاسة مجلس الوزراء، وزارة الأوقاف، وزارة العدل، من نشاط هؤلاء وعملهم المهني العالي، خاصة عبر وضعهم لمشاريع قوانين تستحق فعلا كل الاحترام. بما يتسبب بإحراجهم إحراجا شديدا. فهذا النشاط، وتلك المشاريع، تفضح المخطط الأسود الذي يجري إعداده، وتفضح أكثر النفاق الذي يجري نشره على نطاق واسع أن أفكارهم السوداء هي "إسلام"! أو هي "مواطنة"! أو هي شيء آخر غير تفريغ لعقد لا تنتهي! فكيف وقد نهضت سورية لتقول لهم: لا لمشروعكم الطائفي! لا لتخلفكم وانحطاط أفكاركم! وأجبروا على الإعلان، وإن نفاقا وكذبا، تخليهم عن مخططهم الأسود ذاك!
هؤلاء الذين طردوا قبل أيام من الهيئة السورية، لم يطردوا عقابا لهم فقط، بل أيضا لهدف أكثر مكرا وشيطنة: إنه تفريغ الهيئة السورية من كوادرها، مثلما جرى قبل عامين ونيف. الهيئة السورية التي نجحت خلال سنوات ست قليلة في وضع بند خاص في الخطة الخمسية لتمكين المرأة، ونجحت في وضع خطة لحماية المرأة من العنف، واستراتيجية للشباب، وخطة وطنية لحماية الطفولة من العنف، وعقدت مئات ورشات العمل والندوات على مساحة سورية ساهمت مباشرة في نشر وعي مواطني نابذ للعنف والتمييز يليق بكل سوري وسورية! وغير ذلك الكثير..
وليس من الغريب أن نرى غدا المرحلة الثانية من التصفيات التي لن تبقي من الهيئة إلا وكرا آخر للظلام والانحطاط كما يشتهون! بل سنرى ذلك قريبا، وربما قريبا جدا، بعد أن تتمكن الحلقة التي تضم رئاسة مجلس الوزراء، ووزارتي العدل والأوقاف، والآن: الأمانة السورية للتنمية (التي لعبت اليوم دور "الأمانة السورية لعقاب المتمردين على التكفيريين"!)، ولا نعرف من يتكشف غدا.. سنرى كيف أن الهيئة ستتحول إلى هيئة "كبار الطالبانيين" في سورية! وكيف أن هذه الهيئة التي نهضت بسورية داخليا وخارجيا، منذ ست سنوات هو تاريخ إنشاؤها، سوف يجري تدميرها..
ما لم يتوقف هذا الهجوم الأسود.
فهل سيتوقف؟ هذا مرهون بنا. بنا نحن: كل مواطن ومواطنة في سورية يعتز بحياته/ا وبلده/ا، بدينه/ا وعقيدته/ا وأخلاقه/ا وقيمه/ا، برجولته وأنوثتها، يتعلق بكل شاب وصبية يرفعون أياديهم عاليا اليوم ليقولوا: لا.. لن نسلمكم بلدنا أبدا.. ولن نسلمكم حياتنا وحياة أطفالنا.. لن نسلمكم أدياننا السامية لتحولوها إلى غابة من الجنس والتجارة واغتصاب الطفلات! لن نسلمكم بيوتنا لتستبيحوها بأزلامكم المرضى يطلّقون النساء من رجالهن، والرجال من نسائهن!
وفي الواقع لا نستطيع أن نسلمكم شيئا من ذلك.. فإذا ما تمكنتم لم يبقى أصلا في الأرض إلا الخراب. الخراب الذي نراه في كل مكان تمكنت أياديكم السوداء من القبض عليه فنزعت عنه روح الحياة وحلت فيه شياطينها مغتصبي الطفلات، وقاتلي النساء، ومثيري الحروب الطائفية.
اليوم، وبغرابة تكاد لا تصدق، قامت "الأمانة السورية للتنمية"!!! بطرد خمسة من كبار الخبراء في الهيئة السورية لشؤون الأسرة، في أول إجراء تنتقم به رئاسة مجلس الوزراء وشركاءها ممن وقف لكشف المشروع الأسود ولجعل تمريره مستحيلا:
د. فاروق الباشا، المستشار القانوني للهيئة السورية لشؤون الأسرة.
د. أميرة أحمد، مديرة السياسيات والاستراتيجات.
د. أحمد بكري، قسم المتابعة والعلاقات العامة.
أ. علي الحسن، مدير المكتب الصحفي والإعلامي.
أ. جمانة يونس.
وغدا، قد نرى طردا آخر لمجلس إدارة الهيئة الذي يضم:
أ.بشرى كنفاني: مديرة المكتب الإعلامي /وزارة الخارجية
د.عبود السراج: أستاذ رئيس قسم القانون الجزائي في كلي الحقوق سابقاً
أ.طاهر الحسامي: عضو اللجنة السياسية / وزارة الخارجية
د.إنصاف حمد: أستاذ في وزارة التعليم العالي
د.علاء الدين الزعتري: أمين الفتوى في إدارة الإفتاء العام والتدريس الديني
أ.أميمة دياب: ممثلة عن المجتمع الأهلي
د.اكرم القش: باحث اجتماعي في مركز الدراسات و البحوث الاستراتيجية / جامعة دمشق
أ.هديل الأسمر: خبيرة الطفولة المبكرة
وبينهما سوف نرى طرد أ. سيرا أستور رئيسة الهيئة!
فقد أُكلت يوم أكل الثور الأبيض!!
إنها خسارة فادحة للهيئة السورية لشؤون الأسرة، وللوطن، بل هو وسام شرف يعلق على صدور الخبراء الخمسة. وسام شرف يؤكد أن هؤلاء رفضوا أن يكون مطية لمن يريد تحويل سورية إلى إمارات طوائف. وسام سيبقى أبدا شوكة في عيون الظلاميين أولاء، وفي حلوقهم.
ولكنها أيضا رسالة بالغة الوضوح: "التصفية" قادمة. تصفية كل من يفكر أن يرد على قطعان الموت الأسود، تصفيتهم عبر قطع لقمة عيشهم! التصفية الأكثر قذارة!
الرسالة التي سنرد عليها بجملة واحدة سبق أن قلناها مرارا وتكرارا: إنه وطننا. إذا أردتم أن تسلبونا إياه، فنجوم السماء أقرب لكم. لن نغادر هنا، ولن نصمت هنا، ولن نسمح بتدمير حياتنا، مهما كانت التضحيات.