جرس تنفيذ مشروع ري دجلة في الجزيرة السورية يـُقـرع

وأخيراً باشرت الحكومة السورية مطلع العام الحالي 2010، بتنفيذ مشروع ري دجلة الكبير، الواقع في أقصى الشمال الشرقي من البلاد على الحدود السورية ـ التركية ـ العراقية، ضمن ما يسمى بالجزيرة السورية أو محافظة الحسكة ( 700كم شمال شرق العاصمة دمشق ).
وقد اعتبر المراقبون، أن قرار الحكومة السورية بالبدء بتنفيذ هذا المشروع الإروائي الهام، في هذا الوقت بالذات، يأتي ترجمة عملانية لتطور العلاقات السياسية بين البلدين. في إشارة منهم إلى أن مشروع ري دجلة الكبير مشروع قديم، بقي حبيس الأدراج في وزارة الري السورية. ولم تتمكن الحكومة السورية من نفض الغبار عنه، إلا بعد تحسن العلاقات السياسية بين البلدين، وتطورها إلى الحد الذي دفع تركيا إلى إعطاء الضوء الأخضر للمباشرة بتنفيذ هذا المشروع.


حتى تركيا نفسها ارتبط تنفيذ مشروعاتها المائية على نهري دجلة والفرات بالاستقرار الأمني في المنطقة التي تتواجد فيها تلك المشروعات وهي منطقة جنوب شرق الأناضول. ومنذ أن فكرت الحكومة التركية بتلك المشروعات في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، كانت الأوضاع الأمنية تشكل هاجساً بالنسبة لها. وكلما أرادت إحدى الحكومات المباشرة بتنفيذ تلك المشروعات، كان غياب الاستقرار الأمني يدفعها إلى العدول عن ذلك.
كما لا ينسى المراقبون الإشارة إلى العامل الأمريكي والإسرائيلي، في وضع مشروع ري دجلة على الرف منذ عام 1980 وحتى الآن، أي طيلة 30 عاماً.
*القوة في المياه
وكلما أرادت الحكومة السورية أن ير هذا المشروع النور، ظهر أمامها العديد من العقبات، أبرزها الاختلاف في المفاهيم وعلى المصطلحات مع الجارة تركيا، التي تعتبر نهري دجلة والفرات من (الأنهار العابرة للحدود) وفق مفهومها لوضع هذين النهرين، اللذين ينبعان من حوض الأناضول بتركيا، ويعبران سورية والعراق، ويبلغ طول الفرات 2780 كلم، منها 1200 كلم داخل العراق، أما نهر دجلة فيبلغ طوله 1950 كلم، منها بحدود 50كم داخل سورية و1408 كم في العراق.
وقد نشأ الخلاف نتيجة لوجود تباين واضح بين المفهوم التركي من جهة، والمفهوم السوري ـ العراقي للوضع القانوني لهذين النهرين من جهة ثانية. حيث يصر كل من العراق وسورية على اعتبارهما ( نهران دوليان ) خاضعان للقسمة المتساوية بين الجميع. عكس المفهوم التركي الذي يعتبرهما من ( الأنهار العابرة للحدود ) ليس إلاّ كما أشرنا. ولهذا السبب بقيت الحكومات السابقة في تركيا لا تريد أن توقع أي اتفاقية لتقاسم المياه مع سورية والعراق، وذلك بتشجيع واضح وفاضح من ( الخارج ) الذي كان يعمل بإصرار على خداع تلك الحكومات، من خلال إقناعها بأن تركيا يمكن أن تجد قوتها في المياه، و ما دامت مصادر المياه فيها، فإن هذا يعني أنها هي صاحبة الحق في التصرف بها، فضلاً عن أن موقفها المتحكم بكمية المياه سوف يجعلها تتمتع بميزة الجار الذي يسعى الجميع إلى عدم إغضابه.
أما إذا ما تم اعتبارهما من الأنهار الدولية ( أي ينطبق عليهما القانون الدولي ) فإنها علاوة على خسارتها لتلك الميزات فإن مشاريعها المائية الخاصة بها، والتي تجد فيها دعماً كبيراً لمركزها السياسي. وخطوة مهمة جداً على طريق تركيا القوية، والقادرة على احتلال مكانها بين الدول المتقدمة في العالم، سوف لن تظهر إلى النور ما دامت قد وقعت على اتفاقية لتقاسم المياه مع سورية والعراق.
كما عمل ذلك ( الخارج ) على إقناع تركيا بأنها بتنفيذها لمشروعاتها المائية، ستصبح دولة متحكمة بالأمن المائي والغذائي لدول المنطقة. فضلاً عن إمكانية استخدام المياه كثروة وطنية يمكن مبادلتها بما لدى الآخرين من ثروات.
( 1 )
* فلسفة النهضة الإنسانية
وتحمل المشاريع المائية التركية في مضمونها العام ( وفق الرؤية التركية ) معنى النهضة الاقتصادية في البلاد عامة، وفي منطقة جنوب شرق الأناضول خاصة، حيث تهدف تلك المشاريع بالدرجة الأولى إلى إنعاش الاقتصاد الوطني لرفع مستوى دخل الفرد، والقضاء على أزمات الفاقة والبطالة. كما أن تلك المشروعات المائية التي ستساهم في خدمة أهداف تأمين الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي والنهضة القومية هي مشروعات منظمة، وتأتي الطاقة والزراعة في طليعة القطاعات المهمة التي تأخذ مكانها في هذه المشروعات، مثل المواصلات والسكن والصناعة والتعليم والصحة والسياحة، وبمعنى آخر إن إستراتيجية هذه المشروعات قائمة على فلسفة النهضة الإنسانية، كما يمكن وصفها على أنها نهضة اقتصادية للدولة التركية عامة.
ومع مرور الأيام تزداد أهمية المشروعات المائية بالنسبة لتركيا، وذلك لأنه من المؤمل أن تعمل على النهوض بالاقتصاد التركي المتدهور. ففي الفترة الأخيرة ارتفعت الطاقة الصناعية والزراعية للبلاد خمسة أضعاف، بالمقارنة مع السنوات الماضية، إضافة إلى أن تلك المشروعات وفرت فرص عمل لـ 3.5 مليون شخص، والمخطط أن توفر 10.6 مليون فرصة عمل جديدة في تلك المناطق بشكل خاص عند اكتمالها. وتلعب مشروعات الري دوراً كبيراً في تحريك مؤشرات الاقتصاد التركي، ومن المتوقع ارتفاعه في السنوات المقبلة، أي بعد اكتمال تلك المشروعات. حيث تم التخطيط في إطار مشاريع حوض دجلة والفرات؛ لري 1.7 مليون هكتار من الأراضي، وإنشاء 22 سداً. وذلك ضمن إطار ما يسمى بمشروع ( غاب ). ويتوقع المسؤولون الأتراك أن تصل كمية المياه التي سيضخها نهرا الفرات ودجلة عقب اكتمال المشروعات إلى 50 مليار متر مكعب، وستسيطر تركيا على نسبة 28% من كمية المياه في المنطقة.
ويتألف مشروع (غاب) من 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهربائية ومشروعات أخرى متنوعة في قطاعات الزراعة والصناعة والمواصلات والري والاتصالات، و( غاب ) من حيث المساحة هو أضخم مشروع في العالم، ويشمل ثماني محافظات، وعند إتمامه تقارب مساحة الزراعة المروية من خلاله 8.5 مليون هكتار أي نحو 19 % من مساحة الأراضي المروية في تركيا. ومن أهم سدود مشروع ( غاب ) سد أتاتورك، الذي يقع على نهر الفرات على بعد 24كلم من مدينة بوزرفا، وهو يعد الثالث في العالم من حيث حجم قاعدته 84.5 م3، والثامن من حيث الارتفاع 190م والخامس عشر من حيث حجم المياه في بحيرة السد، والثامن عشر من حيث إنتاج الطاقة الكهربائية، وتبلغ كمية المياه المخزنة فيه 48.7 مليون م3، كما يبلغ الارتفاع الأقصى لمنسوب المياه 162م بعرض 15 متراً، أي ما مجموعه 882 ألف هكتار. وإلى جانب سد أتاتورك هناك سدود أخرى عديدة تنفذها تركيا اعتماداً على مياه نهري دجله والفرات منها: بريجيك، قره قايا، غازي عنتاب، كيبان، ودجلة الخ.
*فتش عن إسرائيل
وقد خصصت الحكومة التركية 32 مليار دولار أمريكي كاستثمارات لتنفيذ مشروع غاب الذي يعتبر الحياة بالنسبة لتركيا، كما خصصت في الفترة الأخيرة 13.9 مليار دولار له، إذ أكد مسؤول تركي أنهم حصلوا عليها من مصادر عالمية، دعماً لتنفيذ المشروع الذي سيعود بالفائدة بالدرجة الأولى على تركيا، بالإضافة إلى عدد كبير من دول العالم، كما موّلت بعض المصادر العالمية تركيا بأموال بلغت 2.9 مليار دولار على شكل هبة دعماً للمشروع، ومن بين هذه الدول: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، إسرائيل، وفرنسا.
( 2 )
وبالإضافة إلى الاهتمام البالغ الذي حظي به مشروع غاب داخلياً وخارجياً على الصعيد التمويلي؛ نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كانتا من أولى الدول التي أبدت اهتماماً كبيراً وملفتاً للنظر بهذا المشروع منذ بدايته، ولعل " مشروع ري المراعي" في منطقة مشروع غاب من أهم المشاريع التي استحوذت على الاهتمام، هذا المشروع الذي بدأ العمل بتنفيذه في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر من 2002. وكانت إسرائيل في مقدمة الدول التي أبدت حماساً بالغاً لهذا المشروع، لأن الحكومة الإسرائيلية تريد أن تضع لها قدماً في هذه المنطقة المهمة للغاية بالنسبة لها. والملفت للنظر في هذا الاهتمام والحماس الإسرائيلي أنه كان عليه تعتيماً إعلامياً كبيراً من جانب الإسرائيليين، الذين كانوا يسعون للمضي قدماً للتوغل في المنطقة دون إشعار الآخرين بذلك، حتى تستحوذ إسرائيل على النصيب الأكبر من هذا المشروع، أي كي تستطيع أن تؤمن أكبر كمية من المياه لنفسها، قبل حدوث أي طارئ يقلب الأمور على عقب.
ولعل أهمية المشروع إستراتيجياً وضخامته من الأسباب التي لفتت انتباه إسرائيل، وجعلتها تكثف جهودها في السنوات الأخيرة لوضع قدمها في هذا المشروع حتى يكون لها نصيب كما أسلفنا. وناهيكم عن أهمية المشروع من الناحية الاقتصادية؛ فإن إسرائيل توليه أهمية كبرى من الناحية السياسية والاجتماعية أيضاً. ولهذا أرادت جمع المكاسب الثلاث في خانة واحدة، لكي تصب في مصلحتها الخاصة.
وبدأ اهتمام الحكومة الإسرائيلية بهذا المشروع، منذ الزيارة التي قام بها وفد من وزارة الزراعة الإسرائيلية في عام 1993 إلى الغرفة التجارية في مدينة غازي عنتاب. ووصلت الأمور بإسرائيل في شهر أغسطس/آب من عام 1996 إلى حد الطلب من تركيا شراء أراض في منطقة مشروع غاب، في حين التزم الطرف التركي الصمت حيال هذا الموضوع؛ وكانت إسرائيل تهدف من خطوتها تلك إلى تعزيز مكانتها في المنطقة من جهة، ومن جهة ثانية تريد فتح الباب للموساد بالتوغل فيها، حتى تكون لها عين تراقب الأحداث عن كثب أولاً بأول.
ولا شك أن إسرائيل كانت تدبر السيناريوهات من خلف الكواليس، وتحيك الخطط السرية في تركيا للتمركز في منطقة مشروع غاب، فالخطة الإسرائيلية بدت واضحة؛ فهي بدأت من نهر النيل، ووصلت الآن إلى نهر الفرات.
وثمة نقطة أخرى في غاية الأهمية لا يمكن التغافل عنها هي أن إسرائيل داخل اللعبة الأمنية؛ فإسرائيل تريد أن تكون تركيا والعراق وسورية منشغلات بالمشكلة الأمنية، حتى يتسنى لها أن تسرح وتمرح في المنطقة دون إذن، وتحقق الأهداف التي تسعى إليها.
*خطوات أولى في طريق العمل المشترك
وعلى الرغم من العامل الأمريكي و الإسرائيلي في موضوع العلاقات التركية ـ العربية بشكل عام وفي موضوع المياه بشكل خاص، والذي تحدثنا عنه باختصار شديد لأنه موضوع طويل وشائك، شهدت العلاقات التركية السورية تطورات هامة في السنوات الأخيرة، على مختلف الصعد. نتيجة للانفراج السياسي الذي بدأ في أواخر عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ( طيب الله ثراه )، وتطور هذه العلاقات وازدهارها بشكل واضح في عهد الرئيس بشار الأسد.
حيث قُدِّرت في شهر آذار/مارس 2004 فرص التعاون ما بين تركيا وسورية على أنَّها جيدة جدًا، في ورشة عمل عقدها بعض الخبراء في مركز أبحاث التنمية في بونّ حول موضوع الماء والتنمية والعمل المشترك. يكمن سبب ذلك - حسب الخبراء المشاركين في الورشة - في أنَّ تركيا، التي تسعى إلى إظهار وزنها في منطقة الشرق الأوسط، وتسعى لزيادة جاذبيتها بالنسبة للاتِّحاد الأوروبي، قد أبدت استعداداً كبيراً للحوار.
( 3 )
وقد ثبتت صحة هذا التقدير مع التوقيع على معاهدة للتجارة الحرّة ما بين سوريا وتركيا في شهر كانون الأوَّل/ديسمبر 2004. إذن ثمَّة خطوات أولى قد قطعت في طريق العمل المشترك. وتم تتويج تلك الخطوات باجتماعات اللجان الفنية للمياه الدولية المشتركة بين العراق وسورية وتركيا في دمشق بعد انقطاع دام 15 عاماًَ وتم خلالها تبادل المعلومات الهيدرولوجية والمناخية المتعلقة بالسدود والمنشآت المقامة على نهري دجلة والفرات. كما تم الاتفاق فيها على أن تطوير المشروعات في دول المنبع يجب أن يكون على أساس عدم الإضرار بدول المجرى الأخرى، ومن حق الجانب التركي إقامة المشروعات المائية على إن لا يضر ذلك بالأطراف الأخرى، وأن لا يؤثر على نمط الإيرادات الطبيعية الواردة إلى العراق وسورية .
وقد تعهد الجانب التركي بان لا تلحق مشروعاته المائية أية أضرار بالعراق وسورية. كما اتفق الأطراف الثلاثة على مواصلة اللجان الفنية عقد اجتماعاتها كل ستة أشهر. وتم التوقيع على محضر مشترك تم رفعة إلى وزراء الموارد المائية للدول الثلاث. و قدم الجانب التركي تعهداً رسمياً بعدم إلحاق الضرر بسورية والعراق جراء مشروعاته الإروائية, كما تم بحث موضوع تبادل المعلومات الهيدرولوجية والمناخية والتشغيلية لنهر الفرات، ومناقشة مشروع محطة الضخ المقترح إنشاؤها من قبل الجانب السوري على نهر دجلة لإرواء الأراضي في سورية. حيث وافق الجانب التركي على إنشاء تلك المحطة، التي تعتبر نقطة الارتكاز لمشروع ري دجلة الكبير في الجزيرة السورية.
*الضوء الأخضر
واستناداً إلى تلك الموافقة، وفى ضوء نتائج المباحثات الثلاثية التي جرت في دمشق بين وزراء المياه والري في سورية والعراق وتركيا، طلب مجلس الوزراء السوري في جلسته التي عقدها بتاريخ 15 كانون الثاني 2008، من وزارة الري المبادرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للبدء بتنفيذ مشروع ري نهر دجلة في محافظة الحسكة ( شمال شرق البلاد ). ويندرج هذا المشروع في إطار مشروع تنمية المنطقة الشرقية الذي تنفذه الحكومة بالتعاون مع الأمم المتحدة، كما إنه يعد من أكبر وأهم المشروعات التي تدعم عملية التنمية الشاملة والمتوازنة في سورية.
ولتوضيح هذه النقطة أخبرنا المهندس سمير مورا مدير الموارد المائية في محافظة الحسكة، أن استهلاك حوض دجلة و الخابور في محافظة الحسكة ( الجزيرة السورية ) موارده المائية الداخلية ( السطحية والجوفية ) في أغراض الري والشرب والصناعة أدى إلى استنزاف المياه الجوفية في معظم أرجاء الحوض. الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي في المنطقة بشكل كبير، هذا الإنتاج الذي يعد حجر الزاوية في اقتصاد الجزيرة بشكل خاص وسورية بشكل عام إلى جانب النفط . وقد نتج عن ذلك تراجع كبير بمعدلات التنمية في المنطقة على مختلف الصعد، ترافق مع ارتفاع حاد بمعدلات البطالة والفقر.
ومن خلال الدراسات الفنية التي أجريت، تبيّن أنه لا يمكن إيقاف استنزاف المياه و بشكل خاص المياه الجوفية مع تأمين متطلبات الأمن الغذائي و الاجتماعي، إلا عن طريق الاستفادة من مياه نهر دجلة. حيث تنتظر مساحات شاسعة من أخصب الأراضي في الجزيرة العليا بفارغ الصبر، تنفيذ مشاريع الري الضرورية هناك. لتحقيق جملة من الأهداف منها استخدام جزء من حصة سورية من نهر دجلة الذي يبلغ وسطي الموارد المائية الطبيعية له حوالي (18.5) مليار م مكعب في السنة، و تأمين مياه الشرب للمدن والقرى الواقعة ضمن نطاق المشروع. وري حوالي 150 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، حيث تشمل الجزيرة العليا في سورية مساحة تزيد عن مليون هكتار من الأراضي. وقد تمت دراسة 532100هكتار بين نهر دجلة ومدينة القامشلي، وتبين أن 481550 هكتاراً منها صالحة للري. وتم تصنيف 444280 هكتاراً منها وفق الصنفين I و II حسب التصنيف الأمريكي.
( 4 )
حيث تقع المساحة الصافية للمرحلة الأولى من مشروع دجلة البالغة 150 ألف هكتار ضمن هذين الصنفين. إلى جانب تأمين جزء من متطلبات الأمن الغذائي . والحد من الاستنزاف الحالي للمياه الجوفية في أغراض الري . وتأمين بحدود 50 ألف فرصة عمل.
* المشروع ينتظر منذ 30 عاماً
وأكد المهندس مورا أن مشروع ري دجلة يعود إلى عام 1980 ، حيث أبرمت المؤسسة العامة للمشاريع الكبرى ( سابقاً ) والتي صار اسمها مديرية الري العامة لحوض دجلة والخابور، إلى أن استقر الاسم على الهيئة العامة للموارد المائيةً حالياً، مع شركة أغروكومبلكت البلغارية العقد رقم 14/80 تاريخ 24/4/1980 الخاص بأعمال الدراسات والتصاميم الكاملة لمشروع ري دجلة.
وأكدت تلك الدراسات أن مشروع ري دجلة يعتمد على الاستفادة من جزء من مياه نهر دجلة، الذي يحد القسم الشمالي الشرقي لسورية. حيث لا تزال مياه هذا النهر تشكل المصدر المائي الوحيد الذي لم تستفد منه سورية حتى الآن. و وفق الدراسات، يشكل مشروع ري دجلة فعلياً منظومة ري متكاملة تتضمن منشآت مائية هامة .. محطات ضخ، سد تخزيني، نفق ضخم.. بالإضافة إلى الاستفادة من بعض السدود القائمة حالياً ( الجوادية وباب الحديد ) وأيضاً قنوات ري حديثة وشبكات ري من أنابيب مطمورة، مع الاستفادة من المياه الجوفية. وقد أكدت جميع الدراسات الاقتصادية والواردة في المرحلة الأولى جدوى هذا المشروع.
وبتاريخ 9/4/2002 تم في بغداد التوقيع مع الحكومة العراقية، إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين اتفاقاً، يقوم الجانب السوري بموجبه بسحب / 1.25 / مليار م3 من مياه نهر دجلة، من خلال نصب محطة ضخ على النهر. و بتوزع شهري لسحب المياه (من 10 م3/ثا حتى 100 م3/ثا) لري أراضي المشروع ولنفس المساحة المذكورة. ونصت الاتفاقية كذلك على أن يلتزم الجانب السوري بعدم تصريف مياه الصرف الزراعي و أية مياه أخرى كمياه الصرف الصحي إلى نهر دجلة، أو أية مجار مائية ترد إلى الأراضي العراقية من داخل الأراضي السورية.
أما عن مبررات دعم مشروع ري الخابور المنفذ سابقاً، من مياه نهر دجلة فيقول المهندس مورا: إن مشروع ري الخابور صمم لإرواء 150 ألف هكتار بتكثيف عالي 200% ، حيث كان التصريف الوسطي لنهر الخابور يبلغ 45 م3/ ثا، تتأتى عبر مجموعة الينابيع الواقعة في منطقة رأس العين. ومن خلال قراءة تصريف مجموع هذه الينابيع ، تبين أن الانخفاض بدأ في بداية الثمانينات، وأخذ هذا الانخفاض يتزايد بوتائر سريعة منذ بداية التسعينات، حتى وصل التصريف السنوي الوسطي لعام 1998/1999 إلى 9.82 م3/ ثا و إلى 5.93 م3/ثا عام 1999/2000. و استمر الانخفاض في التصاريف حتى انعدم الجريان الحر من الينابيع كلياً، و توقفت عن الجريان بتاريخ 13/4/2001 و لازال متوقفاً حتى تاريخه.
وبناء على ما سبق فان الحل الاستراتيجي لحل أزمة العجز المائي في حوض الخابور، و إنقاذ مشروع ري الخابور، و وقف التدهور والانخفاض الحاصل للمياه الجوفية في هذا الحوض، يتأتى عبر دعم مشروع الخابور من مياه من نهر دجلة. وذلك من خلال ربطه مع مشروع ري دجلة، و تغذيته بحجم مائي سنوي بحدود /500/ مليون متر مكعب. مع تطبيق تقنيات الري الحديثة حيثما كان ذلك ممكناً فنياً واقتصادياً لمشاريع الخابور الحكومية والخاصة. و ذلك لتأمين مصدر دائم لمشاريع ري الخابور.
*تحديث الدراسات
و على ضوء المتغيرات و المعطيات الجديدة والمتمثلة بأن الاستجرار المتاح من نهر دجلة أصبح يتراوح بين ( 10- 100 ) م3/ثا وفقاً للتصاريف الاحتمالية الواردة في النهر، بدلاً من 50 م3/ثا
( 5 )
بسحب إجمالي مقداره 1.25 مليار م 3 سنوياً. إضافة إلى عدم تصريف مياه الصرف الزراعي أو أية مياه أخرى كمياه الصرف الصحي إلى نهر دجلة. ودعم شبكات ري الخابور القائمة بكميات مائية قدرها 500 مليون م3 سنوياً. واعتماد الري الشتوي التكميلي لأراضي المشروع مع ري صيفي لجزء من الأراضي . كان لابد من تحديث الدراسة البلغارية للمشروع على الشكل التالي :
*المرحلة الأولى : الإطلاع على الدراسة السابقة وإعادة النظر بالمخطط العام والجدوى الاقتصادية.
*المرحلة الثانية : استكمال التحريات الحقلية للمنشآت الرئيسية وإعداد التصميم الفني للمشروع .
*المرحلة الثالثة : المخططات التنفيذية لكافة عناصر المشروع .
و من أجل ذلك تم إبرام العقد 18/2008 مع الشركة العامة للدراسات المائية في حمص، لتحديث دراسة مشروع ري 150ألف هكتار من نهر دجلة وإعداد المخطط العام والتصميم الفني للمأخذ المائي على نهر دجلة ومحطة ضخ عين ديوار الرئيسية. و يتضمن هذا العقد المرحلة الأولى لكامل المشروع و المرحلتين الثانية و الثالثة، والتصميم الفني للمأخذ المائي على نهر دجلة ومحطة ضخ عين ديوار الرئيسية و من المتوقع انتهاء هذه الأعمال قريباً جداً وفق الشروط العقدية.
كما طـُلـِبَ من المكاتب الاستشارية التي تم تأهيلها وفق خطاب التفاهم الموقع مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية بتاريخ 17/3/2009، إعداد دراسة الجدوى الفنية و الاقتصادية لجر مياه دجلة. إلى جانب التدقيق المواكب لأعمال العقد (18/2008) المبرم مع الشركة العامة للدراسات المائية. و يتم حالياً دراسة العروض المقدمة من المكاتب الاستشارية.
*الجدار المانع للرشح
وفي أول خطوة عملية للمباشرة بتنفيذ مشروع ري دجلة الكبير، أبرمت مؤخراً مديرية الموارد المائية بالحسكة، مع الشركة العامة للمشاريع المائية – فرع الحسكة، العقد رقم 61/2009 بقيمة 252 مليون ل.س. موضوعه " تنفيذ مشروع الجدار المانع للرشح على نهر دجلة في موقع محطة الضخ الرئيسية في عين ديوار". الأمر الذي يظهر حرص القيادة السورية، على أن تكون أول شركة تدخل مشروع دجلة وتطأ قدمها أرضه، هي إحدى الشركات الوطنية السورية. مع ترك الباب مفتوحاً أمام الشركات العالمية.
ويهدف المشروع كما أخبرنا مدير فرع الشركة العامة للمشاريع المائية( الجهة المنفذة ) المهندس شجاع محمد علي إلى منع تسرب المياه من نهر دجلة ومن الطبقات الجوفية الحاملة إلى حفريات المحطة وحوض الترسيب ومنشأة المأخذ المائي. وذلك من خلال إنشاء الجدران ذات الأوتاد المتقاطعة بطول 942 متراً بإنشاء آبار بيتونية دائرية شاقولية متقاطعة مع بعضها عددها حوالي 1300 بئراً بقطر 100سم و بعمق وسطي حوالي 17متراً ، يتم إملاؤها بالبيتون الملدّن و البيتون المسلح. حيث تبلغ الكميات الإجمالية لإنشاء الجدار المانع للرشح كما يلي:
*حجم الحفر : 109400متر مكعب
*حجم الحفريات الصخرية : 5000متر مكعب
*الفولاذ : 83079كغ
*البيتون : 2310متر مكعب
*بيتون نظافة : 4690 م3
*بيتون ملدن : 13000م3
وبعد أن تم تسليم موقع المشروع بتاريخ 27/12/2009، يقوم فرع الشركة العامة للمشاريع المائية حالياً، بتحضير موقع العمل و تنفيذ الطرق الواصلة للموقع، و تجهيز جبهة عمل للحفارات و مجابل البيتون، من خلال تركيب أربعة مجابل. وأكد المهندس شجاع أن الشركة ملتزمة بالتنفيذ وفق مواصفات فنية عالية وبالمدة العقدية المحددة بثمانية أشهر.
( 6 )
أما المدير العام للهيئة العامة للمشاريع المائية المهندس حسين مخلوف فقال إن مشروع الجدار المانع للرشح يؤمن حماية وكتامة لمحطة الضخ والمأخذ المزمع تنفيذهما في الموقع. وبالتوازي مع هذا المشروع يتم اتخاذ إجراءات أخرى لا تقل أهمية، كإعداد دراسة لمحطة الضخ والمخطط العام للمشروع. وتكليف جهة استشارية عالمية لتدقيق هذه الدراسة. إلى جانب إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية لمشروع ري دجلة، بموجب المنحة المقدمة من الصندوق الكويتي والبالغة 300ألف دينار كويتي، والتي من شأنها تهيئة الأمور وتمهيد السبل أمام تمويل كامل المشروع من قبل الصندوق الكويتي والصناديق الأخرى العربية والإقليمية. ‏
*استفادة قصوى من المشروع
ومع تحديث الدراسات الفنية لمشروع ري دجلة الكبير، لكي تتناسب مع الواقع الحالي للمنطقة من جهة، وبما ينسجم مع بنود الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية عام 2002 من جهة ثانية. من المتوقع أن تتغير الكثير من الوقائع والمعطيات المتعلقة بهذا المشروع. إذ من المحتمل زيادة مساحة الأراضي الزراعية المقرر إرواؤها من 150ألف هكتار وفق الدراسة القديمة إلى 180ألف هكتار. الأمر الذي يعني رفع معدل الاستفادة من إمكانيات المشروع إلى أقصى درجة


مجلة المال 25/5/2010


أنت الآن هنا