حال البلد - شريعة حمورابي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في سوريا

حال البلد

لافتة إعلانية
20
Aug

شريعة حمورابي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في سوريا

سنحاول في التالي إجراء مقاربة معرفية بين قانون الأحوال الشخصية السوري الجديد المخبأ 

حتى هذه اللحظة بين طيات الأدراج وبين شريعة حمورابي الشهيرة شهرة واضعي ملحمة

قانون الأحوال الشخصية الأخير ...

 

 لمن لا يعرف :

يبلغ عدد مواد شريعة حمورابي /232/ مادة ، وقد كتبت على لوح من الغرانيت يبلغ طوله /2.5 / م و بعرض وسطي 60 سم في منتصفه وبشكل عمودي فوق بعضها البعض ، وهذه الشريعة المتكاملة ليست أول شريعة معروفة على سطح الأرض فقد وجد قبلها في العراق أيضاً تشريعات أخرى أقل أهمية مثل  مخطوطة أور-نامو، ومخطوطة إشنونا، ومخطوطة لبت-إشتار ولكن شريعة حمورابي  هي أكثرها تنظيماً ودقة ووسعاً تكاملاً و حتى شهرة حتى وقتنا الراهن رغم  أنها كتبت قبل الميلاد بحوالي 1760 عاماً  وفق أدق المصادر . وقد دونها الملك البابلي الأشهر حمورابي على تلك المسلة وزرعها في مدينة بابل العراقية وصنع منها عدد من النسخ ووزعها في البلاد .

بابل هي أيضاً أحد أشهر المدن في التاريخ البشري مثلها مثل دمشق وبيروت وعمان وبغداد وقد ورد اسمها في كثير من اللقى الأثرية ،كما ورد اسمها أيضاً في التوراة تحت اسم  ششك وهو كما تقول الأبحاث اسم لحي من المدينة كان يقطنه العبرانيون بعد السبي البابلي ، وقد كانت مساحتها في عهد الملك العظيم نبوخذ نصر الثاني أكثر بخمسة أضعاف من مدينة أثينا ، وليس أدل على  أهميتها محاولة الاسكندر الكبير جعلها عاصمة عالمية لإمبراطوريته لدى دخولها عام 331 ق . م  وحدائقها لا تزال تثير خيال الفنانين والمصممين والناس و أيضاً هي إحدى عجائب العالم القديم .

الملك العظيم والعبقري حمورابي وضع شريعته في آخر عشر سنين من حكمه (1792-1750) ق.م و ليس معروفاً ما إذا كانت هذه الشريعة جهداً فردياً وضعها لوحده أم أنها عمل جماعي ولكن كأكثر أعمال الشرق الحضارية تسمت بأسماء ملوك وأباطرة العهد الذي ظهرت فيه ، وفي الحالين نحن أمام نص قانوني وتشريع متطور ومتكامل قياساً بالقوانين التي جاءت بعدها كقوانين الألواح الرومانية الاثني عشر 400 ق.م أو القوانين اليونانية وغيرها.

تتميز شريعة حمورابي بأنها مقسمة إلى مواد تبدأ أغلبها بكلمة " إذا= شُـمَّ " وعلى أساس هذه الكلمة تم تقسيم المواد إلى العدد المعروف لها . وقد اتضح لدى العديد من الباحثين في الأديان المقارنة أن التوراة والتي كتبت بعد فرض الإقامة الجبرية على العابيرو اليهود في بابل والتي تسمى في الأدبيات اليهودية السبي  البابلي بحوالي 150 سنة قد اشتقت قوانينها من شريعة حمورابي بشكل واضح تماماً كما سرقت التوراة قصة الخلق والتكوين من ملاحم بابل والعراق القديم ( لمزيد من التفاصيل مراجعة عمل فراس السواح الأكثر شهرة مغامرة العقل الأولى ) .

قراءة أولية في فكرة نشوء الدولة:

لم تكن حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر فقط من أوائل الحضارات البشرية  ، بل كانت أيضاً حضارات متكاملة ذات قيم وأبعاد معرفية ودينية وأخلاقية وعمرانية وفوق ذلك بنيت وعاشت على أسس قانونية راسخة بما يتناسب وتوصيف ( الدولة  ) في تلك الفترات بأنها دولة عسكرية إقطاعية مبنية على نظام طبقي واضح يفصل بين السادة  ( الطبقة الحاكمة والحاشية الملكية و المواطنين والجيش ) والعبيد كحال كل الدول أو الإمبراطوريات في فترة ما قبل التاريخ .وقد كانت ولادة فكرة المدينة في تلك المنطقة الحضارية هي الخطوة الأكثر ثورية في توليد وخلق فكرة الدولة ذاتها وبالتالي مفاهيمها الرئيسية المرتبطة كمفاهيم الرعية والجيش والضرائب والحدود والمعابد ومن ثم العمران ومشاريع الري والغذاء والمستودعات الحكومية للحبوب وغيرها  (لمزيد من التفاصيل المذهلة مراجعة كتاب الصيف الطويل ـ سلسلة عالم المعرفة الكويتية بقلم .......   ) وعلى ضوء فكرة المدينة والاجتماع البشري والوحدة الجغراسية ظهرت بعض البذور الديمقراطية الأولية بما يتناسب أيضاً مع طبيعة وبنية النظم السائدة آنذاك .

وبنفس التواقت ظهرت الأديان المتعددة الآلهة في تلك المناطق كتعبير وكاستجابة طبيعية لأسئلة العقل الأولية وكمحاولة بشرية في الإجابة على أسئلة جلجامش الأبدية والتي لا تزال راهنة في العقل البشري حتى اللحظة ، ومن الملاحظ أن تعدد الآلهة هذا لم يمنع من نشوء الدولة ككيان مركزي كذلك رغم تماهي  سلطة  الحاكم بسلطة  الإله ذاتها واعتبارهما أقنومين متتابعين من مصدر واحد ولم يقم حاكم في شرق الآلهة هذا كما قرأنا ـ على حد معرفتنا ـ بإجبار شعبه على اعتناق دين واحد بل بقي التعدد سمة طاغية على كل هذه الحضارات وبقي إنجازها العمراني خارج لعبة الوحدانية  رغم ارتباط العمران إلى حد كبير بالمعابد والأديرة و محاولة تأطير التعدد الإلهي في رموز أو تماثيل أو غيرها من طرائق التعبير البشرية السائدة في تلك المرحلة . وبالتالي فهذه الأديان (الوثنية ) بتعبير أهل الحاضر  كانت أكثر ديمقراطية في التعامل مع الآخر الديني وغير الديني وكانت بالتالي أكثر حضارية من ديانات التوحيد الثلاثة التالية لها تاريخياً.

نسوق هذا الكلام للتأكيد أولاً على قيمة التعدد ذاتها وقيمة الاختلاف والتنوع ورفض المشابهة وتوحيد الناس في طابور ديني متكرر وغير منفتح على الآخر يدعي الحقيقة المطلقة ويوزع شهادات حسن سلوك دينية وإقطاعات وأراض في جنان مفترضة على تابعيه الخاصين  ويوزع على غيرهم لعناته ومسباته وتكفيره وكفرانه وغيرها من أنماط تفكير هي أدنى معرفياً وقيمياً وأخلاقياً من قيم تلك الأديان التي تصفها التوحيديات الثلاثة بالوثنية والكفر وإلى ما هنالك من تسميات .وثانياً للتأكيد على أن  أخلاقيات الأديان الوثنية تلك في التعامل مع البشر بجميع قطاعاتهم الطبقية كسادة وعبيد كما هو النظام الطبقي في تلك الفترة ومن ثم مع المرأة في جانبيها الطبقيين  ، هذه الأخلاقيات تبدو من منظار الآن أيضاً نظاماً متكاملاً حقانياً لجهة حفظ حقوق كل طبقة وفق نظام المجتمع الطبقي دون تقديم تفضيل ديني على آخر فالكل سواسية أمام القانون المجتمعي وكل في طبقته وهناك نواظم لعملية الانتقال الطبقي للعبيد إلى الحرية والسيادة ، ونعيد التأكيد هنا على طبيعة النظام المجتمعي الطبقية لأسباب عدة أبرزها كون النمط العسكري الإقطاعي للدولة وارتكازها على الجيش في تكوين وبناء الدولة والتوسع على حساب الجيران والأعداء معاً هو الذي خلق طبقة العبيد ذات الحقوق التي لم تقدم لها حضارات أخرى خيار الانتقال والتغيير ، كما في الهند واليونان وما ثورة سبارتاكوس التي تعد أول ثورة للعبيد في التاريخ إلا تعبير عن هذا الاضطهاد الذي تعرضت له هذه الطبقة من الناس وهذا موضوع يستحق البحث والسؤال لاحقاً  .

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا