في مشروع تفتيت سورية (2) : الاستعلاء الديني والفتنة الدينية والطائفية.

يعد الزواج علاقة خاصة كليا بين رجل وامرأة. فلا يحق لأحد أن يفرضها أو يفرض حلها لأي سبب كان دون إرادة الطرفين، أو أحدهما على الأقل. وهذه قاعدة أساسية لم يخرج عنها قانون أيا كان، في أي مكان من العالم، وفي أي زمن، وتحت أي دين أو عقيدة.

وإذا كانت البشرية قد تطورت في بناء هذه العلاقة الخاصة إلى حد منح بعض الحقوق للمجتمع في التدخل في بعض تفاصيلها حين تتحول الخصوصية إلى قاعدة ممارسة العنف من طرف ضد آخر (عادة هو العنف ضد المرأة والأطفال)، فإن أحدا لم يضع حتى مجرد احتمال تدخل أحد بهدف الإجبار على الزواج، أو الإجبار على حله. فهذا حق أساسي من حقوق الأفراد لا يمكن لأحد التعدي عليه.

ولكن حماية هذا الحق الأساسي لم تأت فقط من كونه "حقا"، بل من خطورة أن يكون هناك "حق" لأحد آخر بهدم هذا الزواج مما يعني وضع الأساس لوضع هذه المؤسسة تحت خطر داهم دائم يجعلها غير قابلة للاستمرار. لذلك لم يفتح الباب إطلاقا، في أي مرحلة من التاريخ، وفي أي ثقافة، لأي إمكانية بفرض فك هذا الزواج إلا في حالة واحدة هي ما يسمى "غشيان المحارم". أي أن يكون الزواج أصلا هو بين رجل وامرأة لا يحق لهما أن يتزوجا بحكم مستوى معين من القرابة.

بل إن المناهضين للعنف الأسري، والذين رأوا إمكانية تدخل المجتمع في الأسرة للحد من العنف الأسري، باعتبار الأسرة "خلية اجتماعية"، رفضوا بإطلاق أن يصل هذا التدخل إلى مستوى فرض الطلاق على الأسرة. وبقي الطلاق دائما حقا مطلق الحصرية للرجل والمرأة المعنيين به مباشرة.

لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام لمعرفة مدى خطورة فتح مثل هذا الباب، تحت أي مبرر كان. ذلك أن أي مبرر، ومهما وضعت عليه من قيود وشروط، سوف يكون دائما في متناول أطراف مختلفة، وقابل للتجيير في اتجاهات مختلفة. مما يعني خرابا كليا لهذه المؤسسة الخاصة.

إلا أن أصحاب الفكر الطائفي التحقيري في سورية، من أطلقوا مشروعا ليرضوا نزعاتهم المريضة في اغتصاب الطفلات، وتعديد الزوجات بلا قيد أو شرط، واستعباد النساء والأطفال والرجال معا.. هؤلاء الأبواق الكاذبة التي تدعي ليل نهار حفاظها على "الأسرة" من التفكك والانهيار، يشرعون في "مشروع تفتيت سورية" الأداة الأكثر انتهاكا لمفهوم "الأسرة"، والتي تعمل على جعل الأسرة مجرد "حظيرة" في خدمة تصوراتهم المريضة ذاتها للدين وللبشر. حظيرة قابلة للتدمير في أية لحظة. وذلك بالضبط عبر وضع المادتين 21 و 22 من المشروع الأسود.

المادتين المذكورتين تشكلان ما عرف بدعوى "الحسبة"، أي الدعوى التي يحق فيها لأي كان أن يطالب بفسخ زواج أشخاص آخرين بناء على اعتبارات محددة سنشرحها لاحقا.

تقول المادة 21:
المادة 21
1-
إنشاء نيابة خاصة للأحوال الشخصية المتعلقة بغير الأموال.
2-
تدخل النيابة في بعض قضايا الأحوال الشخصية: على النيابة العامة أن ترفع الدعاوى أو تتدخل فيها إذا لم يتقدم أحد من ذوي الشأن وذلك في كل أمر يمس النظام العام وأهمها:
1-
الزواج بالمحرمات حرمة مؤبدة أو مؤقتة.
2-
إثبات الطلاق البائن.
3-
فسخ الزواج.
4-
الأوقاف والوصايا الخيرية.
5-
دعاوى النسب وتصحيح الأسماء والمفقودين وتصرفات المريض مرض الموت بناء على طلب من ذوي الشأن فيما يتعلق بالمريض.
3-
ويكون للنيابة في هذه الأحوال ما للخصوم من حقوق.
4-
تعتبر النيابة العامة ممثلة في الدعوى متى قدمت مذكرة لإبداء رأيها فيها، ولا يتعين حضورها إلا إذا رأت المحكمة ذلك.
5-
وفي جميع الأحوال لا يتعين حضور النيابة عند النطق بالحكم وفي جميع الأحوال التي ينص القانون على تدخل النيابة يجب على المحكمة إبلاغ النيابة كتابة، وإذا عرضت أثناء نظر الدعوى مسألة تتدخل فيها النيابة فيكون تبليغها بأمر من المحكمة.
6-
تمنح النيابة بناء على طلبها خمسة عشر يوماً على الأقل لتقديم مذكرة من تاريخ إرسال القضية إليها وللنيابة حق الطعن في الحكم ولو لم تكن قد تدخلت.

لنلاحظ ما هو ملون بالأحمر هنا
-
إنشاء نيابة خاصة للأحوال الشخصية المتعلقة بغير الأموال.
كلنا يعرف "النيابة العامة" التي تمثل عادة "الحكومة"، ليس حكومة بعينها، ولكن الحكومة عموما. أو ما يمكن تسميته "الحق العام" الذي من واجب الحكومة بصفتها ضابطا للعلاقات داخل المجتمع أن تحصله. فمثلا: حين يقع حادث سير ينجم عنه وفاة الشخص الذي تم صدمه، ومن ثم يرى القاضي بناء على التحقيق أن السائق غير مسؤول عن الحادث لسبب أو لآخر، فإن ذلك لا يعفي عادة من ما يمسى "الحق العام" المتعلق بأن هناك شخص آخر قد توفي نتيجة لهذا الحادث.
كذلك، فإن النيابة العامة تستطيع هي أن ترفع دعاوى على الأشخاص حين يقترفون إساءات محددة تجاه المجتمع عموما. فهي تستطيع أن ترفع هذه الدعوى ضد "الخونة" مثلا، أو ضد المرتبطين بحركات أصولية وهابية وبن لادنية تهدف إلى تحويل الدولة إلى إمارة طوائف، كما يمكنها أن ترفع دعوى ضد من يتلاعب بمصير سورية عبر لجان سرية.. وهذه جميعها لا مصلحة شخصية مباشرة لأحد برفع الدعوى فيها (والمصلحة الشخصية كشرط لبدء الادعاء هي قاعدة قانونية عامة). فتقوم النيابة العامة باتخاذ طابع "صاحب المصلحة الشخصية"، وذلك بصفتها العامة كـ"ممثلة للمجتمع"، أو بالأصح: كنائب مؤقت عن المجتمع.

- على النيابة العامة أن ترفع الدعاوى أو تتدخل فيها إذا لم يتقدم أحد من ذوي الشأن وذلك في كل أمر يمس النظام العام وأهمها..
نلاحظ هنا صيغة "الأمر" في "على". فمن وضع هذا التشريع يعرف جيدا أي جرم يحضر له، والذي ستتبين تفاصيله عبر سلسلة الدراسات هذه، فعرف أن صيغة الأمر المتناسبة مع العقليات المتطرفة الطائفية هي الوحيدة التي ستجبر الآخرين على الخضوع لمؤامرتهم.

وليس الأمر مقتصر على رفع الدعوى، بل إنه أيضا على "التدخل" في دعوى قائمة! وبما أن جملة "كل أمر يمس النظام العام" جملة لا تعني شيئا، خاصة في بلد مثل بلدنا، حيث يمكن لكل شيء أن "يمس النظام العام" بدءا من تصوير طالبة للأطفال جامعي القمامة ضمن إطار دراستهم الجامعية، وليس انتهاء بما سنراه لاحقا. لكن، والحق يقال، يبدو أن هناك ما هو مستثنى من "يمس النظام العام": هو إمكانية تدمير هذا النظام كله تحت مسمى "الشريعة الإسلامية"، التي باتت، هي والإسلام (وهما كائنين منفصلين ومتقاطعين)، على أيدي هؤلاء، مصدرا أساسيا لسيادة نظام الفوضى، والمروجين لهذه الإمكانية عبر إغلاق الإعلام السوري بوجه مناهضته، والداعمين له عبر تضليل الناس بأن المشروع قد "رفض شكلا ومضمونا" فيما هو ما يزال على طاولة اللجنة السرية التي ما تزال قائمة، وما تزال سرية، وما تزال تقوم بمهامها!

- "وأهمها"! رغم أن هذا التعبير لا يعني شيئا على وجه التحديد في أغلب سياقات استخدامه، لكنه هنا يعني شيئا هاما جدا، هو وضع "الأمور في نصابها". أي كسر قاعدة القوانين الأساسية بعدم الاقتراب من حق الزواج والطلاق الحصري للأفراد المعنيين، وذلك عبر النص بوضوح على أن هذه القاعدة قد سقطت تحت أقدام مثيري الفتنة هؤلاء. فعبر النص على بنود محددة بصفتها بنودا "تمس النظام العام"، يكون واضعوا المشروع الأسود قد قرروا، بمجرد إقرار مثل هذا المشروع، أن كل كلام آخر يتناقض مع هذا الكلام هو باطل. وبالتالي فقد قرروا أن حرمة الزواج والطلاق قد ذهبت أدراج الرياح، في انكشاف قل نظيره لمدى كذبهم ونفاقهم في الدفاع عن "الاسرة الشرقية" و"الاسرة العربية" و"الأسرة الإسلامية"... فهنا تصريح واضح وصريح أن ما يهمهم هو تطبيق تصوراتهم المريضة الخاصة، وليس أبدا الاسرة التي لا مانع لديهم من تفكيكها، بانتظار حرق أفرادها وجلدهم وقطع أعناقهم في الساحات العامة!

أما فيما هو "أهمها"، فسوف نتناول هنا بندا واحدا، تاركين بندا آخر، وتفاصيل أخرى إلى الجزء الثالث من هذه السلسلة التي تهدف إلى فضح الفكر الطائفي المتطرف الذي صاغ المشروع وأطلقه وحماه ويعمل اليوم ليل نهار على جعله قانونا يسيطر على رقاب الناس، ويلغي كل احتمال لكي نبقى في وطن يحمينا كمواطنين ومواطنات، مما يفتح الباب واسعا لكل الاحتمالات التي نراها الآن، ويوميا، في أماكن قريبة وبعيدة.

البند الذي نعنيه الآن هو الفقرة الثالثة: فسخ الزواج.
فما قصة هذا البند؟
الواقع أن هنا محاولة بائسة للتمويه. إلا أن تطرف الفكر الذي صاغ هذا المشروع، وانكشاف معاداته الأصيلة لكل أساس إنساني لمصلحة سلطاتهم الأميرية، جعل هذه المحاولة فاشلة تماما.

فهنا، في هذه المادة وما يلحق بها، ليس هناك أي حديث عن متى يمكن لمحكمة التفتيش هذه (النيابة الخاصة) أن تفسخ زواجا كمقدمة لقطع رأس أحد طرفي الزواج المفسوخ! إلا أن في المشروع ما يظهر ذلك بوضوح.

المادة 92 من المشروع الأسود  (وهي مادة تحمل الرقم 92 من النص المنشور للمشروع، وتحمل الرقم 87 من النص "المعدل" الذي وضع بهدف تضليل الناس بأن ما نتحدث عنه هو اختلاق بدليل اختلاف الأرقام مع ما هو بين أيديهم!)، تقول:
لا ينعقد (الزواج): 
1-
زواج المسلمة بغير المسلم باطل.
2-
زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية.
3-
زواج المرتد عن الإسلام أو المرتدة ولو كان الطرف الآخر غير مسلم.
4-
إذا كانت الزوجة من المحارم قرابة أو رضاعا أو مصاهرة أو زوجة للغير أو معتدة الغير أو مطلقة الزوج ثلاثاً أو لا يحل الجمع بينها وبين من في عصمته أو لا تدين بدين سماوي.

إذا، بما أن الزواج في هذه الحالات هو باطل، فإنه يستدعي الفسخ فورا في حال انعقد لسبب من الأسباب. وبما أن بعض هذه الحالات يمكن أن تطرأ بعد الزواج، فإن البطلان قد يأتي بعد تثبيت الزواج الذي بدأ "غير باطل". ينطبق على ذلك الفقرات الثلاثة الأولى، إلى أن الفقرة الثالثة هي المستند الأساسي هنا: زواج المرتد عن الإسلام أو المرتدة ولو كان الطرف الآخر غير مسلم. ولن نناقش هنا الرغبة العارمة لدى من صاغ المشروع في تجسيد صورة مصاص دماء يغرس أنيابه في صدور البشر فيعرف ما فيها، عندما يفرض ذلك حتى "إذا كان الطرف الآخر غير مسلم"!! سنتركه إلى وقت لاحق. بل سنقول إن هذه الفقرة واضحة تماما. فهي لا تحدد أن تثبيت هذا الزواج هو فقط الباطل، بل إن الزواج بحد ذاته هو باطل. يعني متى ما تحقق أن أحد الطرفين هو "مرتد" صار زواجه بحكم الباطل، وبغض النظر عن دين الشريك الآخر في الزواج، سواء كان/ت من أتباع دين من الاديان الثلاثة المسماة "سماوية"، أو دين آخر من الأديان العالمية، أو بلا دين.
وبما أن الإسلام عند هؤلاء ليس أبدا قناعة وإيمانا، ولا فكرا وعقلا، ولا اختيارا واعيا، بل هو مجرد فرض إجباري بمجرد ولادة شخص لذكر صادف أنه ولد هو أيضا لذكر آخر مسلم.. فإن جميع الناس الذين ولدوا لذكور مسلمين هم مسلمون بالضرورة. وأي محاولة منهم لمغادرة هذا الانتماء القسري محكومة، عند هؤلاء التكفيريون، بـ"الردة". هكذا ينسفون، باسم الإسلام، الأساس الأكثر أهمية في هذا الدين: لا إكراه في الدين! ويحولونه إلى دين يفرض بحد السيف وقرقعة السياط.
ولن نناقش هنا طبعا مسألة دينية بحتة هي أن الدين هو خيار واختيار، وأنه لا دين لأحد قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره ويختار دينه، سواء كان أبيه مسلما أم مسيحيا، دينيا أم لا ديني
ومع ذلك، لا يكتفي هؤلاء بهذا، بل إنهم يفترضون تصوراتهم الخاصة عمن هو "المرتد"! ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء شديد، مع مشروع القانون الطائفي هذا الذي يقول "العبرة في الكفاءة هي الصلاح في الدين وعرف البلد"! حتى نعرف ما الذي يخططون له في هذا البند. ولنا في تجربة مصر مع المفكر الكبير، والمفكر الإسلامي نصر حامد أبوزيد، ومع د. نوال السعداوي، الرائدة في فضح العنف الجنسي ضد المرأة في المنطقة العربية، خير دليل. فهما "مرتدان" لأنهما أعملا عقليهما في مناهضة أتباع الشيطان هؤلاء (واي شيطان أشد شيطنة ممن ينصب نفسه مكان الله في معرفة ما في صدور الناس؟ وفي محاسبتهم على ما يفكرون به؟!)، وبالتالي لا بد من طلب فسخ زواج كل منهما.

وليس مهما هنا، كما تنص المادة، وكما نص الواقع الفعلي، ما دين الشريك الآخر في الزوجية. فحتى إن كان غير مسلم: أي مسيحي/ة أو يهودي/ة أو بوذي/ة أو لا ديني/ة... الأمر سواء: سيفسخ الزواج.

نعود إلى المادة 92 (أو 87 بالنص المخادع)، لنرى الآن كيف أن "فسخ الزواج" الذي منح لمحكمة التفتيش الفاشية المسماة بـ"النيابة الخاصة" هي بالضبط: قطع رأس كل من يفكر باستقلال عن هؤلاء المرضى بعشق الحرب الأهلية والدم واستعباد النساء واغتصاب الطفلات واستحقار الأديان والطوائف والعقائد الأخرى!

فمع تبيان الحقيقة أعلاه، يصير جميع مثقفي ومثقفات سورية مصطفين في طابور واحد أمام مقصلة هؤلاء الجلادين. والحقيقة أن هؤلاء هم المستهدفون الأساس من إنشاء محكمة التفتيش هذه تحت مسمى "النيابة الخاصة"، فقد برهنت التجارب الأخرى أنه سلاح فعلا في حشو العقول بالطاعة العمياء بدلا من التفكير، خوفا من إرهاب عتاة هذه المحاكم. وهو بالضبط ما رأيناه في القرون الوسطى الأوروبية، ولكننا رأيناه أيضا في القرون الوسطى الإسلامية حيث قطعت رؤوس كثيرة وشنت حروب طائفية استغرقت مئات الأعوام تحت هذه الذرائع التي أخفت حقيقة ساطعة سطوع الشمس: ليس لدى هؤلاء رب سوى ما أشار له ابن عربي: المال والسلطة.

بل أن ذلك لا ينطبق على المثقفين فقط، إنما يشمل ملايين الناس في سورية. كيف ذلك؟
قلنا في المادة السابقة أن المشروع يضع "الدروز" في برزخ بين الإسلام واللاإسلام. فلا هو يعترف بهم كمسلمين، ولا هو يعترف بهم كدين مستقل. وكشفنا أن هذا الوضع الغريب هو مجرد خداع. فواضعو  المشروع التكفيري لا يعترفون أصلا بغير أفكارهم المريضة "إسلاما". وبالتالي فإن هذه النيابة ستكون قادرة على فسخ زواج أي درزي أو درزية بمجرد أن يشهر أحد الطرفين "إسلامه"، وهو الإشهار الذي يجبر عليه أصلا أي رجل أو امرأة من هذه الطائفة يريد الزواج من شريك/ة من خارجها
والاسماعيليون والعلويون والشيعة (بمختلف تسمياتهم) لا يقومون بالعديد من "طقوس" الإسلام التي يعدها هؤلاء التكفيريون "هي الإسلام"، وعدم القيام بها هو نقض للإسلام. أو، بكلمة أخرى، ارتداد عن الإسلام. هذا يعني أيضا أنه بإمكانهم فسخ أي زواج بين طرف من الطائفة الإسماعيلية وطرف يقوم بـ"طقوسهم الخاصة"!

بل إن الأمر يمتد أيضا إلى المسيحيين واليهود. بما أن التكفيريين لا يعترفون أصلا بأن هؤلاء هم أتباع "دين صحيح". وأيضا إلى البوذيين والسيخ والهندوس والتاويين.. بما أنهم ليسوا أديانا "سماوية" وفق معتقدات اللجنة السرية نفسها..

إذا: "النيابة الخاصة" هذه، في هذه الفقرة "فسخ الزواج" ليست إلا محكمة تفتيش إسلامية، هدفها الوحيد هو إجبار الناس على الخضوع لتصورات أصولية طالبانية تحرم أي شكل من أشكال التفكير، وتلغي كل عقل، لكي تحول الناس إلى قطيع من الحمير حتى يتمكن هؤلاء الجهلة من قيادتهم كيفما يشاؤون. بما في ذلك قيادتهم إلى التخلف والموت والدمار، إلى حرق المدارس وقتل النساء، إلى اغتصاب الطفلات... وهي لا تنتهك كافة حقوق الإنسان التي صادقت عليها سورية، بل شاركت في وضع أساس بعضها (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثلا)، ولا تنتهك الدستور السوري وأساس القانون السوري نفسه، بل إنها أولا تنتهك الإسلام نفسه بنسف قاعدته الرئيسية "لا إكراه في الدين"، وتحويله إلى دين إرهابي يحاكم كل من يفكر بأية طريقة غير ما أراده عتاة محاكم التفتيش هؤلاء.

والواقع أن على د. أحمد بدر الدين حسون الذي صلى في كنيسة، ود. محمود عكام الذي ناهض القتل باسم الشرف، ود. محمد حبش الذي أعلن أن الدين هو خيار لا وراثة، وغيرهم الكثيرون، عليهم أن "يلمسوا على ذقونهم" فليس من المستبعد أن يكونو "العبرة" الأولى في محاكم التفتيش هذه. فإذا ما بدأ التكفيريون بهم.. سيضمنون إيصال رسالتهم: لا أحد خارج أحد احتمالين: تقبيل أحذية هؤلاء المرضى النفسيين، أو "فسخ الزواج" كمقدمة لـ"قطع الرؤوس"! ويمكننا تصور من ستضم القوائم التالية..

يعتقد البعض أننا نبالغ حين نتحدث عن العنف والطالبانية وقطع الرؤوس... إلا أن منطق الأشياء كما رأيناها في كل مكان، من الجزائر إلى مصر، ومن السعودية إلى العراق، ومن أفغانستان إلى إيران، متضمنا بعض الجزر هنا وهناك ممن مارس هذه اللعبة.. يثبت بما لا يدع أي مجال للشك أن هذا المشروع، ومحاكم التفتيش هذه، ليست إلا مقدمة لما سميناه "تدمير الدولة وإنشاء إمارات طالبانية". وبالتالي فإن الأمر لا يحتمل هنا أية مبالغة. بل إن عدم رؤية هذا المسار الواضح هو، برأينا، دفن للرأس في الرمال. تماما مثلما دفنا جميعا رؤوسنا في الرمال لسنوات عشر ماضية فيما هؤلاء يروجون التكفير والتطرف في كل مكان، من الجوامع إلى التلفزيون والإذاعات والصحف والوسائل الرقمية، ونحن مستسلمون تحت ذريعة عدم التهويل. أو، وهو الأكثر خطرا، فيما نحن نبرر لهم ذلك بحجة "التقاليد" و"الأكثرية" و"طبيعة المجتمع"...

 

 

أنت الآن هنا