ص
عدت إلى سطح الدار كي أدخن سيجارة ريثما يعود التيار الكهربائي 
المقطوع منذ ساعتين (لا قطع الله أحدا) وذلك لأني حريص على
التدخين في الغرفة خوفا على صحة الأولاد(وقانا الله وإياكم شر العباد والفساد) وكانت الساعة الخامسة والربع مساءا وما أن بدأت أمج السيارة مجا حتى نظرت حولي فرأيت أحياءا غارقة في الظلام وتذكرت شطرا من شعر اليا أبو ماضي يقول: والكوخ كالقصر المكين والشوك مثل الياسمين طبعا بسبب ظلمة الليل,
وفي خضم هواجسي المسائية تذكرت نكتة كنا نتداو لها فيما بيننا في الآونة الأخيرة تحكي قصة رجل عجوز يحتضر وكيف أراد تقليد الحكاية في الموروث الشعبي التي تحكي عن رجل أراد أن يعطي لأبنائه قبل موته موعظة وعبرة مفادها أن في الاتحاد قوة ولما جمع صاحبنا أولاده الثلاثة وكانوا جميعا يعملون في شأن البناء و(الباطون)ولي الحديد (وهي للعلم هواية) أعطى لكل واحد منهم عصا رفيعة وطلب منهم كسرها وبالطبع قال الأشاوس الصناديد بكسرها وعندئذ ابتسم الأب بحكمة ( وربما أعمل يده في لحيته) وأعطى أصغرهم حزمة من العصي الرفيعة فقام صغيرهم الذي كان يمارس هواية كمال الأجساد (أكمل الله عقولكم) من قفا علم والده التعس عندئذ اغرورقت عينا العجوز وغص بحرقة الجواب حين سأله كبيرهم وماذا بعد يا أبتي فتنهد الأب وقال لم يترك أخوكم(البغ...)مكانا لا للحكاية ولا للحكمة.
سبب هذه الحكاية هو وأنه قبل حوالي الربع قرن من الآن و بالتحديد في عام 1986 وإبان إقامة بطولة كأس العالم لكرة القدم في المكسيك,كنا نثور ونغضب عند انقطاع الكهرباء (وكانت سنة دارجة) لأنها ستحرمنا من متابعة المباراة وكان الوقت تموز حارقا خارقا وأذكر فيما أذكر أننا كنا أولادا يافعين (ياعين) نتسلق شباك جار ميسور أنعم الله عليه وأهله بما كان يسمى(ولا يزال) د ينامو مازوت وكان بالنسبة لنا أمرا عجبا وما كان يهمنا رغم ضجيجه العالي أن نسترق النظر إلى مشاهد من المباراة وكان المتسلق الأول يخبر من لم يحظى بشرف التسلق عما يجري في الداخل وانتهت على هذا المنوال (يا ابن الحلال) صولات وجولات المونديال ولما تنتهي سنة قطع الكهرباء, نعم كنا يافعين وكبرنا وكنا نحدث أنفسنا ونقول غدا حين نكبر ونتزوج ونرزق بأولاد فإننا سوف نروي لهم كيف كنا نعيش وندرس مع قليل من الكهرباء وكثير من الظلمة وكيف أنهم الآن يعيشون في نعيم الضوء ليل نهار ويحضرون ما شاءوا من التلفاز الملون وكل ذلك سيرا على ما درج عليه أبائنا وأجدادنا(وما في حدا أتعس من حدا) من الحديث عن أنهم عاشوا سنوات شقاء كان السفر فيها سيرا على الأقدام أوعلى ظهور الحمير والبغال(المسخرة) وكيف أنهم عاشوا ليلا على ضوء الكاز ونهار تقشف إجباري وكيف أننا ننعم بحياة أكثر غنى وبحبوحة.
ولكن يبدو أن حكومتنا الرشيدة ووزارة الكهرباء الأكثر رشدا قررت حرماننا من هذه المتعة الميزة ولا ندري ربما رأت(بعين ثاقبة طبعا) أن تريحنا من عناء التشدق ومخاطر اللغو والحكومة تعرف مصلحتنا أكثر منا نحن العباد الذين لا نرى أبعد من أنفها, لم نعد بحاجة كي نقص الحكاية على أولادنا بعد أن منت حكومتنا الرشيدة عليهم وهم النشء الطالع( وشوف ملا طالع) بإمكانية متابعة القصة(لايف) مباشرة بالصوت والصورة ,نعم لقدت حبتهم برعايتها ولم تسلبهم متع قول (الهيه) كما أبائهم عند عودة الكهرباء من غربة انقطاع تقسم على الخلق والعباد قسمة ديذى في المدن ولا يهم في الريف.
الفرق الوحيد أننا كنا نسهر ونتسامر على ضوء الشموع و(البلورة) وكان يطيب لعمي أبو أسعد سرد قصصه البطولية في ظل العتمة التي كثيرا ما سمحت له بالشطح والتمدد في خياله الميثيولوجي في ضوء الظلام وانعدام الشفافية أما في هذه الأيام وفي ظل عصر الدوت كوم والديجتال أصبح لدينا (إضافة للشموع والدموع) الشاحن وما أدراك ما الشاحن وصارت شطحات أبو أسعد(الرقمية سيرا على الحداثة) منكمشة ربما بسبب ازدياد النور أو بسبب عمره المهدور, على العموم ظل شيئا لا يعرفه أولادي وهو البلورة وسوف أحكي لهم عنها بتلذذ ما بعده تلذذ.
كنا نعتقد لزمن مضى أن مقولات وألفاظ لغوية مثل انقطاع الكهرباء قد ولت إلى غير رجعة ولكن وللمرة الألف يخيب القدر والحكومة ظننا كما العادة.
إن مسألة التخطيط المبكر والمدروس والمترابط من قبل كل المؤسسات والمديريات هو من أولويات أي عملية اقتصادية وتنموية تحسب بدرجة من الدقة الحاجات المستجدة والطارئة ,كان جدي يقول لي (العليق عند الغارة ما بينفع) حين أدركت هذه الكلمات ومعناها العميق قبلت أن شخصا جاهلا مثلي قد لا يعتبر أما أن تجهل حكومة بأكملها معنى مقولة جدي الأمي فذلك شأن عظيم (عظم الله أجركم وثوابكم).
التخطيط يا جماعة يمنع الغارة نفسها ولكن يبدو أن ما يهمنا ليس التخطيط بل التمخيط كي لا يشرشر مخاطنا في حضرة الضيوف فنقع في شرك قلة الأدب وقلة الحياء وهذه والحمد لله أبعد ما تكون عن أنوفنا ... والسلام .
الكاتب : حيان التكروني ، للتواصل هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
