حال البلد - هل من مسعى لتدويل حرية الصحافة في العراق ؟

حال البلد

لافتة إعلانية
04
Dec

هل من مسعى لتدويل حرية الصحافة في العراق ؟


تضع محاولة اغتيال الزميل عماد العبادي الاعلامي العراقي الجميع ( الحكومة والبرلمان ) امام مسؤولية الاسراع في تشريع قانون حماية الصحفيين الذي كان حلما يراود الشهيد شهاب التميمي نقيب الصحفيين العراقيين الذي طالته رصاصات الغدر ( تعرض للاغتيال في شباط من العام الماضي واستشهد على اثرها ) من عصابات الجريمة في العراق الجديد الذي انتقل من عصابة الدولة في عهد النظام السابق الى دولة العصابات في ظل الاحتلال الامريكي ، اذ لايزال مشروع القانون الذي جرت عليه تعديلات لم يؤخذ رأي المعنيين بها بشهادة نقيب الصحفيين الحالي الزميل مؤيد اللامي ( تعرض هو الآخر لمحاولة اغتيال في ايلول من عام  2008  ) ، فالمشرع العراقي اليوم لديه الصلاحيات الواسعة ومنها قدرته على تهميش اية جهة كانت وان كانت صاحبة المصلحة والمستفيدة من القانون .


لقد شهد العراق بعد التاسع من نيسان عام 2003 انفتاحا اعلاميا واسعا فتعددت وسائل الاعلام المقرؤة والمرئية والمسموعة بضمنها الالكترونية ، وقد ضمن الدستور العراقي الذي اسهم الاحتلال الامريكي بشكل مباشر في كتابة بنوده حرية الرأي والتعبيربوصفها حقا من حقوق الانسان ، الا ان هذه الحرية تعرضت الى شتى انواع الانتهاكات ومنها اغتيال العشرات من الصحفيين والاعلاميين ومن الجنسين فضلا عن اعتقال الكثيرين منهم واقامة الدعاوى القضائية على عدد من الصحفيين والصحف والقنوات التلفزيونية العراقية ، اما الصحفيون والاعلاميون الذين تعرضوا الى الضرب والاهانة فعددهم لايستهان به ، وهناك وسائل اعلام منع العاملون فيها من تغطية بعض الاحداث حتى وصل الامر بمجلس النواب العراقي الى منع دخول الصحفيين الى احدى جلساته ليمثل هذا الاجراء سابقة خطيرة تهدد حرية الصحافة من خلال خرق البرلمان للدستور وهو السلطة التشريعية التي كان ولايزال الصحفيون العراقيون ينتظرون منها الاسراع في اصدار قانون يوفر لهم الحماية ويضمن مستقبل عائلاتهم في بلد وصفته لجنة حماية الصحفيين التي تتخذ من نيويورك مقرا (أخطر بلد في العالم ) بالنسبة للصحافة بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 للاطاحة بصدام حسين والتمرد والصراع الطائفي الذي تفجر بعد الغزو ، وكان معظم الضحايا من العراقيين ، ويمتلك العراق حسب رأي اللجنة المذكورة أسوأ سجل للفشل في حل قضايا اغتيالات الصحفيين وقالت في تقرير نشر في الامم المتحدة ان قضية اغتيال الصحفيين في العراق لم تحل ، فقد تم استهداف معظم الصحفيين الذين قتلوا بسبب عملهم ولم يحاصروا في تبادل اطلاق نار ، وعدت اللجنة (مؤشر الحصانة) من خلال تجميع عدد قضايا اغتيالات الصحفيين التي لم تحل ، وقالت شيلا كورونيل وهي صحفية فلبينية تعيش في نيويورك في مؤتمر صحفي بالامم المتحدة ان هذا البلد ( العراق )  : (واحد من أكثر الدول فتكا في العالم بالنسبة للصحفي)، وأنحت باللائمة على ضعف سيادة القانون وضعف النظام القضائي .

وكانت لجنة حماية الصحفيين ومرصد الحريات الصحفية في العاشر من حزيران من هذا العام قد لفتا انتباه رئيس الوزراء نوري المالكي إلى العديد من القضايا التي تضر بحرية الصحافة في العراق في رسالة كانا قد بعثا بها اليه ، فقد قامت المنظمتان المذكورتان بتوثيق عدد من الاعتداءات والمضايقات التي ارتكبها مسؤولون حكوميون ضد صحفيين في أنحاء مختلفة من العراق تخضع لسيطرة الحكومة المركزية العراقية خلال الاشهر الاخيرة ، واشارتا الى ان الصحافة في العراق منذ عام  2003  قد قطعت شوطاً كبيراً حيث ظهرت المئات من الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزة المستقلة والحزبية وتلك التي تديرها الدولة، وللأسف دفع الصحفيون بالموازاة مع ذلك التقدم ثمناً باهظاً ، فعلى مرّ السنوات الست المنصرمة تَصدَّر العراق قائمة لجنة حماية الصحفيين كأخطر بقعة في العالم بالنسبة للصحفيين ،وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين لغاية 9 حزيران الماضي اغتيال (139) صحفياً فضلا عن  (51 ) من العاملين في وسائل الإعلام في العراق منذ آذار 2003 ، وقد سقط ثلاثة منهم هذا العام ، بل إن سجلات مرصد الحريات الصحفية تشير إلى عدد أكبر من الصحفيين والإعلاميين الذين فقدوا أرواحهم ، وذكرتا رئيس الوزراء بكلمته امام قمة بغداد للصحافة في آيار من هذا العام والتي قال فيها : ( نحن فخورون بأن ليس لدينا صحفي واحد سجين بسبب حرية التعبير) ، وفي الأشهر الأخيرة واجه العديد من الصحفيين مضايقات بل واعتداءات في بعض الحالات على يد قوات الأمن العراقية، وفي حالات أخرى استخدم مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى الدعاوى القضائية كأداة سياسية لعرقلة دور وسائل الإعلام الإخبارية وتكميم أفواه العاملين فيها ، ومن أجل تحسين بيئة العمل للصحفيين في العراق دعت لجنة حماية الصحفيين ومرصد الحريات الصحفية الحكومة العراقية لاتخاذ الخطوات تتمثل بالضغط على الجيش الأمريكي لحثه على احترام قرارات المحاكم العراقية وإخلاء سبيل المحتجزين لديه من الاعلاميين ، والإدانة العلنية لأعمال العنف والاعتداءات والترهيب بحق الصحفيين وإجراء التحقيقات ومحاكمة المسؤولين عن قتل الصحفيين والاعتداء عليهم ومضايقتهم ، وإصدار الأوامر للوكالات الحكومية بالتوقف عن تحريك الدعاوى القضائية ذات الدوافع السياسية ضد الصحفيين والمطبوعات ، وإصدار الأوامر للقوات الأمنية وقوات الجيش بالتوقف عن استخدام القوة لمضايقة أو منع الصحفيين من القيام بعملهم ، وطالبا بتعليق العمل بالمواد التالية أو تعديلها ( 81، 82، 83، 84، 201، 202، 210، 211، 215، 225، 226، 227، 403، 433، 434 من القانون رقم 111/ 1969) ، والمتعارف عليه باسم قانون العقوبات لسنة 1969اذ تجرم هذه البنود القانونية المخالفات المتعلقة بالصحافة وتفرض عقوبات صارمة عليها وشددا في ختام رسالتهما على   ضمان امتثال جميع القوانين الأخرى الحالية والمستقبلية بالمعايير الدولية الخاصة بحرية التعبير.

وكانت جريمة الاغتيال التي تعرض لها الزميل العبادي في الثالث والعشرين من تشرين الثاني الماضي قد حظيت باهتمام حكومي كبير ، فقد امر رئيس الوزراء نوري المالكي بتشكيل لجنة تحقيقية في قضية محاولة اغتيال الصحفي في قناة الديار عماد العبادي ( نأمل الا تكون قيد النسيان كبقية اللجان التحقيقية التي لم تكشف نتائجها حتى الآن ) ، وطالب مرصد الحريات الصحفية في العراق بحصر التحقيقات في وزارة الداخلية وامساكه ملف القضية شخصياً ، ووصف المرصد الحادثة هذه بأنها ضربة قوية موجهة لحرية التعبير والديمقراطية في البلاد ، محذرا الجهات والقوى السياسية من مغبة اقحام الصحفيين ووسائل الاعلام في الصراع الانتخابي ومحاولة استخدام استهداف الصحفيين للاضرار بقوى على حساب اخرى لجهة تحميلها المسؤولية واحداث الفوضى ) ، وحمّل مرصد الحريات الصحفية ( السياسيين العراقيين البرلمانيين والمسؤولين الحكوميين والعسكريين الذي يطلقون تصريحاتهم ضد الصحفيين ويتهمونهم بأتهامات باطلة ، المسؤولية كاملة عن حوادث الاستهداف الخطرة التي يتعرض لها الصحفيون ويطالب باتخاذ تدابير خاصة لحمايتهم في المرحلة المقبلة ) .

فيما استنكرت نقابة الصحفيين العراقيين محاولة الاغتيال الاثمة وقالت في بيان لها (ان الجريمة الجديدة التي استهدفت الزميل العبادي تؤكد مرة اخرى ان هناك من لايؤمن بحرية التعبير وينتهج درب التصفية الجسدية لفرض ارادته ) مطالبة السلطات الامنية والقضائية بالكشف عن ملابسات محاولة الاغتيال والجهات التي تقف وراءها وتقديم من تثبت التحقيقات تورطهم فيها للعدالة لينالوا جزاءهم العادل وشددت النقابة في بيانها على ان تكميم الافواه ولغة التهديد والوعيد اساليب عفى عليها الدهر ولابد لاولئك الذين مازالوا لايؤمنون بحرية التعبير ان يدركوا جيدا ان بناء البلد واعماره لن يتحققا الا بانتهاج الديمقراطية سبيلا لبلوغ الاهداف .

ومادامت الحكومة العراقية عاجزة في ظل برلمان يسعى الى تكميم الافواه عبر اكثر من مناسبة من خلال تلويح بعض اعضائه باقامة الدعوى على هذه الصحيفة وتلك الفضائية ، تدعو الضرورة الى تدويل قضية مايتعرض له الصحفيون والاعلاميون العراقيون الى جريمة الاغتيال المنظمة بهدف حجب الحقائق عن الرأي العام العراقي والعربي والدولي من خلال كتم انفاسهم والقضاء عليهم بوصفهم شهودا لجرائم لاتعد ولاتحصى في عراق تتنازعه المحاصصة الطائفية والعنصرية في ظل الاحتلال وتدخل دول الدمار العراقي القريبة والبعيدة .

وسيبقى مسلسل الاغتيالات متواصلا وبنجاح على ايدي عصابات الدولة التي لايعرف شكلها وهويتها حتى الان ، وسنقول كلما سقط من اسرتنا الصحفية شهيد بان ماحدث هو جزء من مسلسل متواصل يستهدف الكلمة الحرة للصحفيين في العراق من قبل جهات مجهولة لا تريد ان يطلع الرأي العام على حقيقة الوضع في هذا البلد الذي مزقته الحرب.

فهل من مسعى وطني شريف الى تدويل قضية الحفاظ على حياتنا نحن الصحفيين وحماية حرية الصحافة في العراق ؟

 


* الكاتب ابراهيم زيدان ، صحفي وكاتب عراقي * عضو منظمة الدفاع الدولية

 

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا