تلفت دعوة السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان العراق الى تأسيس جيش لحماية اقليمه من مخاطر يتوقع حدوثها وتكشف مخاوفه من ظهور حكومة مركزية قوية في بغداد لاتسمح بمرورالقرارات المصيرية الا من خلالها ، وهي دعوة تظهر رغبة واضحة لمخالفة الدستور الذي اتفقت عليه جميع الكتل السياسية بما فيها الكتلة الكردستانية في العمل على عراق ديمقراطي موحد تعددي فيدرالي الا ان الطموح الكردستاني يذهب ابعد حتى من النظام الكونفدرالي ، فالرجل يسعى الى نيل الاستقلال من حكومة بغداد سعيا للانفصال الذي ينفيه احيانا من اجل اظهار الدولة الكردية الى الوجود .
ودعونا نناقش الرغبة البارزانية في تحقيق الحلم الكردي على صعيد الواقع الاقليمي والدولي خاصة اذا علمنا ان دول الجوار التي يتوزع عليها شعب كردستان وهي ايران وتركيا وسوريا وجزء في ارمينيا ، ومعظمها اي الدول المذكورة ترفض حتى مناقشتها كفكرة ، فلايزال الكورد في تركيا يحملون السلاح بوجه الحكومة التركية من اجل انتزاع كيانهم الكردي ولو بالقوة على امل الاندماج مع جار شقيق في القومية ، ويذكرنا التاريخ بظهور دولة مهاباد الكردية في ايران في منتصف القرن العشرين والتي سرعان ماتلاشت لعدم توفر الظروف الموضوعية لبقائها ، ومن اهم اسباب بقائها هو الاعتراف بها كدولة مستقلة ، وهذا مالم يتحقق واقعيا .
كما يذكر التأريخ ايضا شاهدا آخر على الانفصال في سبعينات القرن الماضي والمتمثل بغزو تركيا للجزء الشرقي من قبرص لاقتطاعه وجعله كيانا سمي ( قبرص التركية) والتي لم تحصل هي الاخرى على اعتراف دولي سوى من صنيعتها تركيا ، ولم تحصل كذلك على تمثيل دبلوماسي متبادل مع اية دولة حتى الان .
والحق يقال ان الرئيس جلال الطالباني ربما هو مع مجموعة من السياسيين الكورد الذين يحسنون التعامل مع الواقع ويقدرون مدى حساسيته ، وهو القائل لايمكن للواحد ان يخنق نفسه بيده في اشارة الى ان دولة كردستان التي ينشدها البعض محصورة من دول ترفض اقامتها وتواجهها ربما بالسلاح ، فكردستان كاقليم لايمتلك منفذا بحريا يمكنه توفير الارضية الاقتصادية لبناء دولة قوية ، الامر الذي يفسر الاصرار الكردي على انتزاع كركوك من العراق لضمها الى كردستان بوصفها ( قدس قردستان ) حسب تعبير البارزاني نفسه .
والشيء بالشيء يذكر في مايخص الاعتراف الدولي ، ففي عام 1991 كما يروي وفيق السامرائي في مقال له ان صدام حسين نفسه نزل عند رغبة البارزاني الذي كان على وفاق معه وخلاف وقتال مع جلال الطالباني فوافق على ان يعلن البارزاني انفصاله عن العراق مع وعد من صدام نفسه باعتراف العراق رسميا بها اذا مااعترفت ولو دولة واحدة من دول الجوار بها ، في اشارة واضحة الى عدم استحالة تحقيق الحلم الكردي في ظل رفض اقليمي لهذا الخيار .
ان من يظن ان تجربة انفصال باكستان عن الهند عام 1949 تصلح كانموذج لتطبيقه في العراق هو واهم يستند الى رؤية تأريخية مغلوطة ، لان المسلمين في الهند كانوا شركاء في تحرير بلادهم من نير الاستعمار البريطاني ، ومع ذلك لم تستطع باكستان لم شتات جميع المسلمين ، اذ لايزال عشرات الملايين من المسلمين مواطنين هنودا ، كما ان باكستان التي خاضت حروبا عدة مع الهند لتحرير كشمير لم تفلح في نيل مسعاها بنيل كشمير استقلالها على الرغم من الخسائر البشرية التي تكبدتها ، مما جعل الدولتين ان يكونا في الاخير الصديقين اللدودين ، علما ان الباكستانيين والهنود كانوا من ديانة واحدة وعادات وتقاليد واحدة بمعنى انهم كاموا شعبا واحدا ، في حين يختلف الحال كثيرا عما هو عليه في العراق .
وعلينا ان نذكر السيد مسعود البارزاني بمناشداته في وقت الضيق لحكومة بغداد لحماية الاقليم من قصف ايران وتركيا للقصبات والمناطق الحدودية للعراق في كردستان ، ومع ذلك يسعى جاهدا للخروج من طوق وسيطرة الحكومة التي يطالبها بحماية حدود الحلم الكردي .
واخيرا نخشى ان تكون هذه الاحلام سببا في ضياع الحلم الكردي اولا وتدمير تجربة كردستان التي تفتخر بها جميع القوميات المتآخية في العراق قبل الاخوة الكورد .
الكاتب ابراهيم زيدان : كاتب عراقي
