مضت عشرة شهور على الأزمة السورية، وماتزال حملة التشكيك والتضليل تتواصل على قدم وساق، بدءآ من إنكار المؤامرة والأجندات الخارجية مرورآ بإدعاء سلمية التظاهرات وعدم الاعتراف بوجود مجموعات مسلحه تمارس شتى أنواع القتل الطائفي والحرق وتدمير المؤسسات الخدمية والاقتصادية ، إلى الإقرار بوجود مسلحين لحماية المتظاهرين السلميين، والتحدث عن جنود فارين وتشكيل ما يسمى بالجيش الحر.
وقد استمرت حملات التضليل حتى إلى ما بعد قدوم بعثة المراقبين إلى سوريا ـ الذين استقدمتهم الجامعة واختارتهم وحددت طبيعة عملهم ومهامهم من خلال البرتوكول الموقع مع الحكومة السورية ـ وحتى خروج تقريرهم الذي رصد الواقع السوري ووثق الأحداث والجرائم، استناداً إلى معايناته واستماعه إلى شهادات أبناء الشعب السوري، بدل شهود الزور الذين قدمتهم قنوات التضليل على أنهم شهود عيان. لقد كشف التقرير الذي تميز بمهنية وموضوعية مقبولة إلى حد ما،عن جزء من حقيقة الأوضاع التي تجري على الأرض، والتي جاءت متناقضة كلياً مع الصورة التي قدمتها وسائل التضليل الإعلامي، حيث أقر التقرير: :1- وجود الجماعات المسلحة كحقيقة واضحة وموثقة . 2ـ ارتكاب هذه الجماعات لأعمال إرهابية كقتل المدنيين وحرق المؤسسات والمنشآت العامة الخدمية والاقتصادية وتفجير أنابيب الغاز والنفط ومحطات الكهرباء وشاحنات الوقود وهدم الجسور والبنى التحتية في الدولة، مؤكداً أن ما قامت به المجموعات المسلحة من قتل وتدمير هو أكثر بكثير مما قام به الجيش وقوات حفظ النظام التي كانت ترد على مصادر النيران . 3ـ وجود إعلام مضلل، حرض المعارضة على رفض الحوار وعدم التخلي عن أسلحتها، ومارس عمليات الفبركة والتزوير بكافة أشكالها، وبالغ في حجم أعداد القتلى، فعلى سبيل المثال رصد التقرير مقتل 136 شخصاً فقط من المجموعات المسلحة والمدنيين والجيش وقوات حفظ النظام،خلال فترة وجود البعثة على الأراضي السورية، مكذبآ بذلك ما نشرته قنوات التضليل عن سقوط مئات القتلى في تلك الفتره. 4 ـ التعاون الإيجابي من قبل السلطات السورية مع بعثة المراقبين وتنفيذها جميع التزاماتها التي وردت في البروتوكول الموقع، مكذبآ كل ماقيل عن قصف المدن والقرى بالدبابات والطائرات،وهذا ما أكد عليه "الدابي" شخصياً في مؤتمره الصحفي الأخير في القاهرة. 5 – تحميل التقرير مسؤولية قتل الصحفي الفرنسي جيل جاكييه في حمص للمجموعات المسلحة. 6-.التأكيد على وجود بعثات إعلامية ومراسلين عرب وأجانب يتابعون الأحداث ويتنقلون بسهولة في كافة المناطق السورية دون تدخل من قبل النظام، وأفاد الدابي في مؤتمره أنه تم رصد ستة وثلاثون وسيلة إعلامية تعمل بحرية في سوريا. 7-إفراج السلطات السورية عن آلاف المعتقلين، وتشكيك الدابي بالأرقام التي تنشرها وسائل التضليل الإعلامي والمعارضة حول عدد المعتقلين، وتأكيده على أنها أرقام متضاربة وغير دقيقة.
بعد هذا التقرير الذي جاءت نتائجه بالمجمل لصالح سوريا كدولة وشعب ونظام، ماذا كان رد عربان الجامعة وكيف قابلوا التعاون الايجابي السوري بتنفيذ ما جاء في بروتوكول الجامعة؟ لقد قفز العربان والغربان عن التقرير، والتفوا عليه وأصدروا مبادرة ذميمة تعكس مدى ارتباط أصحابها بالمخطط الذي يستهدف سوريا وأمنها واستقرارها، من خلال دعوتهم السافرة إلى التدخل الأجنبي في سوريا. مبادرة جديدة تنتهك سيادة الدولة السورية وتناصب شعبها العداء وتهدف إلى تدويل الأزمة ونقل ملفها إلى مجلس الأمن. وقد كشفت مصادر مقربة من الجامعة العربية، أن الصيغة التي أقرتها الجامعة تم إعدادها مسبقاً من قبل قطر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، قبل أسبوع من اجتماع اللجنة الوزارية، وأن وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون تدخلت بشكل مباشر من أجل تحقيق الإجماع على هذا المشروع كونه يشكل مدخلاً للتدويل ويتعارض كلية مع صيغة البروتوكول الموقع بين الجامعة ودمشق، خاصة بعد أن اتضح لهم أن تقرير المراقبين سيكون ايجابياً ولمصلحة سورية، وبعد أن فشلت جميع الضغوط على رئيس البعثة ( الدابي) لدفعه إلى تغيير محتوى التقرير لصالح أجنداتهم. كما أكدت هذه المصادر، أن اقتراح بعثة المراقبين لم يكن إلا مجرد مناورة للوصول إلى هدف التدويل، ويؤكد ذلك موقف الدابي في الاجتماع الوزاري رداً على مهاجمة قطر للبعثة، عندما صرخ قائلاً: "أوقفوا التحريض عبر الجزيرة والعربية وسيعود الهدوء إلى سوريا". إن أشدّ ما يدعو إلى السخرية في هذه المبادرة، أن تشمل بعض بنودها ما سبق أن أعلنه الرئيس الأسد عن مواعيد محددة للاستفتاء والدستور والانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة، ليقال فيما بعد بأن الضغوطات التي مورست على النظام السوري نجحت في إجباره على القيام بهذه الإجراءات الإصلاحية التي حددناها نحن له.
إن ردة فعل عربان الجامعة، تأتي نتيجة طبيعية لفشل جميع سيناريوهات التآمر التي خططوا لها للقضاء على سوريا، حيث انقلب السحر على الساحر وتكشفت حقيقة الأحداث وخرج ملايين السوريين إلى الشوارع والساحات لدعم مسيرة الإصلاح والتغيير تحت سقف الوطن ورفض التدخلات الخارجية في شؤونهم. لقد أدرك العربان أيضاً أن الغرب غير قادر على التدخل ولايقوى على تحمل نتائجه، خاصة في ظل استفحال الأزمة المالية التي تعصف ببلدانه، مما جعلهم يتخبطون على هذه الصورة التي نراهم عليها اليوم، بعد أن اقتنعوا بفشلهم وإفلاسهم وبأن الوسيلة الوحيدة المتبقية أمامهم لتسديد ضريبة هذا الفشل ودفع ثمن إبقائهم في سدة عروشهم، هي الاستمرار في تقديم الولاءات للغرب وضخ المليارات لدوله العاجزة، بالإضافة إلى محاولتهم تنفيذ سيناريوهات جديدة من شأنها التخفيف من حدة التأنيب والتوبيخ الأمريكي ـ الأوروبي لهم. ولعل السيناريو القادم المتوقع ـ بعد أن تم التجديد للمراقبين ـ أن يقوم أعراب الخليج بتقديم دعم إضافي للمسلحين لتنشطيهم عبر تصعيد هجماتهم الإرهابية وتمكينهم من السيطرة الكاملة على مناطق محددة في الأرياف والمناطق الحدودية، بغية استفزاز الجيش والنظام لجره إلى معارك وطيسة أو لدفعه إلى الرد عليهم بعنف مفرط، مما يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى وخاصة بين صفوف المدنيين، من شانها أن تشكل عاملاً ضاغطاً على مجلس الأمن، وإحراجاً لكل من روسيا والصين لدفعهما إلى التخلي عن الفيتو.
ولكن وأمام هذا المشهد، هل يبقى النظام مقيدآ وغير قادر على حسم معركته مع المجموعات المسلحة بسبب وجود المراقبين، أو خوفاً من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين جراء اتخاذه قرار الحسم العسكري؟ إن الإجابة على هذا السؤال قد نقرأها في الرسالة الأخيرة التي وجهها السيد وليد المعلم إلى الأمين العام للجامعة العربية، والتي نستدل منها بأن قرار الحسم العسكري قد اتخذ من قبل القيادة السورية، بتأكيده للعربي أن سوريا ستحمي مواطنيها ولن تسمح لهذه المجموعات المسلحة بمواصلة عملياتها الإجرامية في سوريا. كما أن خروج ملايين السوريين في مظاهرات عارمة اليوم تندد بالمبادرة العربية والتدخل الخارجي وتطالب بالحسم العسكري بأي ثمن لعودة الاستقرار إلى الوطن، شكل عامل ضغط كبير وقدم الدعم الشعبي للنظام وجيشه للقيام بهذه العملية العسكرية .
إننا ومن موقع الحرص على سوريا وشعبها نرفض ما يُسمى بمبادرة الجامعة التي كما أشرنا، تسعى إلى تحقيق الأهداف التي فشلت في تحقيقها جميع سيناريوهات المؤامرة طيلة الشهور الماضية. وبات المطلوب عربياً الآن، الإسراع في ترميم الشارع العربي لإحياء المشروع القومي العربي النهضوي القادر على تحديد الخيارات الوطنية والقومية والسياسية والاجتماعية، في ظل هذه المتغيرات التي تعصف بالمنطقة، وذلك عبر إقامة جبهة شعبية عريضة تجمع التيارات القومية واليسارية العربية ، تشكل قاعدة للعمل العربي المشترك بعد أن أثبتت الجامعة العربية خيانتها لأهداف الأمة العربية، وتحولت إلى أداة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، بقيامها باستبعاد دول عربية من العمل العربي المشترك، واستدعاء الاحتلال الأجنبي لغزوها وتفتيتها خدمة للمشروع الامبريالي الصهيوني الذي يسعى إلى تغيير معادلة الصراع في المنطقة وقلبها على رؤوس العرب أنفسهم، حفاظاً على أمن إسرائيل والمصالح الغربية في المنطقة. إننا وأمام تعاظم هذه التحديات ومحاولات اختراق الوطن العربي وتمزيقه، لا بد لنا من إنجاز المشروع القومي النهضوي وتأسيس الجبهة العربية الواسعة لمساندة سوريا قلب العروبة النابض، ومساعدتها على الخروج من أزمتها، وخاصة بعد أن أدرك الشعب العربي اليوم أن ما يجري في سوريا وفي الدول العربية الأخرى مرتبط بشكل عضوي بالصراع الأساسي في المنطقةـ الصراع العربي ـ الصهيوني، الذي لعب في جميع المراحل التاريخية السابقة، الدور الأكبر في استنهاض الشعوب العربية والإسلامية وفي توحيد أهدافها لأنه
امام هذا الواقع المرير لابد لنا أن نعمل معآ لنعيد لأمتنا كرامتها ومجدها وبريقها القومي
الكاتب كمال مقبول كاتب عربي فلسطيني .
