المفجع في الأزمة الأخيرة للحزب الشيوعي السوري – بكداش

 لا تقتصر القضية على السبب وراء الأزمة ( المعلن على الأقل ) أو على الطبيعة الساذجة و الصبيانية للمناكفات التي أدت إليها بين زعماء الحزب و أنصارهم , فقد أصبح من المكرر و المعتاد أن ينصرف السياسيون لتبرير أفعالهم أو لا أفعالهم , المصيبة الحقيقية تكمن في المثقفين , الذي يفترض أن يكونوا نقيض الخطاب السياسي التبريري و المصلحي الآني , أقل ممارسة للنفاق أو للدجل السياسي و أكثر قربا من الحقيقة التي يفترض أن تكون مجال اهتمامهم و إنتاجهم .

 كان التساؤل عما سيكون عليه موقف مثقفي الحزب من أول الأسئلة التي استوقفتني عند قراءة رسالة الكوادر الشيوعية إلى الشيوعيين معلنة انتقال الأزمة من خلف الأبواب المغلقة من مجاهل الهيئات القيادية إلى العلن , لم تكن الدكتورة ناديا خوست هي أول من خطر ببالي ربما لأن المشهور عنها أنها أشبه ببوغدانوف سوري أي عنصر أمن فكري يخص القيادة بولائه الأول و إلا عن أي أمن فكري موجه ضد أية هرطقة فكرية يمكن أن يدور الحديث , كان المقصود بالتساؤل هو الكاتب وليد معماري . فمهما كان موقع المرء في الفصائل التي انشق إليها الحزب الشيوعي السوري كان وليد معماري مثارا للإعجاب و حتى الفخر . كنا نتابع زاويته في جريدة تشرين ( و بعدها في الدومري و حتى صوت الشعب ) بنهم , نستمتع بقدرته البارعة على السخرية من الفساد و البيروقراطية الضاربة أطنابها في مؤسسات الدولة و في عقول و ممارسة موظفيها حتى أعلى الهرم البيروقراطي . كنت أحاول تخيل ما الذي يمكن أن يقوله وليد معماري صاحب اللغة الساخرة و النكتة السوداء سواء في اجتماع اللجنة المركزية التي هو عضو فيها أو خارجه , ليست القضية في المفاضلة بين الطرفين المتخاصمين , فأنا أعتقد أنهما معا جزء أصيل من البيروقراطية الحزبية التي قادت و تقود الحركة الشيوعية السورية وفق مصالحها و لو كان ذلك إلى الهاوية . إنه السؤال عن جدية مواقفنا كبشر , و عن جدية أن نواجه القبح الذي يحيط بنا و يحاصرنا , هل سنصبح أيضا قبيحين أم نستطيع أن نخلق شيئا ما مختلفا في هذه العتمة أم نحاول كما قال زياد ذات مرة أن نكون فرحين لمجرد أن هذا العالم لم يلوثنا أو يغيرنا أي يكيفنا مع قبحه ؟ هل ستكون صدمة جديدة للشيوعيين الشباب الذين ما زالوا تحت تأثير التصورات الحالمة المثالية عن الشيوعية ؟ أذكر الصدمة الأولى , لم تلك هي تكن انهيار الاتحاد السوفيتي فقط , بل الانهيار الأكبر الذي تلاه . كان ذلك من مجموعة من البشر الذين اعتقدنا ذات يوم أنهم يتمتعون بوعي عميق و هائل بالصراعات الجارية و بجرأة مفترضة على الأقل على قول الحقيقة مهما كانت , هكذا تصورنا الشيوعي يومها , من بينهم لطفي الخولي , أميل حبيبي , و ربما كريم مروة , قياديون و مثقفون طالما التهمنا ما قالوه و أنتجوه بشراهة على أنه الحقيقة , و آخرون غيرهم و هناك نظراؤهم السوريون , الذين طالما صفقوا و تغنوا بالمثال الشيوعي , فوجئنا بهم يغيرون جلدهم بين ليلة و ضحاها , و هم يعتبرون أنهم قد خدعوا مثلنا و أنهم لم يكونوا جزء من صناعة الوهم أو من حقيقة تعرضنا للخداع , اكتشفوا فجأة فضائل الرأسمالية و بينما كانت السياسات النيوليبرالية تطلق يد رأس المال لينهب كيفما يشاء كانوا هم يتحدثون عن اكتشافهم الجديد بذات الثقة و بلغة الحقيقة المطلقة ذاتها السابقة و إن غيروا مفرداتهم , و بالنتيجة أنهم تماما كما كانوا في الأمس يمتدحون وضعية التهميش السياسي , و الاجتماعي بالنتيجة , الذي طال الناس العاديين في الدول الاشتراكية السابقة أصبحوا اليوم يمتدحون التهميش الاجتماعي , و السياسي بالنتيجة , الذي يطال الناس العاديين مع تطبيق السياسات النيوليبرالية في مجتمعاتنا . لم يفكروا حتى في الاعتذار لنا , قدموا اعتذارهم على عجل و بأتفه الطرق و الألفاظ من تلك القوى السائدة التي أرادوا خطب ودها , أما الشباب الذين صدقوهم و صدقوا أنهم واعون جيدا لما يفعلون و ما يقولون أي باختصار صدقوا كذبة قيادتهم الروحية إن لم تكن السياسية لنا و للكثير من الشيوعيين و أصدقائهم , فإما أنهم أداروا ظهورهم لهم ببساطة أو دعوهم للالتحاق بالموجة الليبرالية كقطيع أو وفق ثقافة القطيع في أفضل الأحوال . هل هي فجيعة أخرى بانتظار هؤلاء الشباب ؟ أذكر ما قاله وليد معماري ذات يوم عن أنه يمارس الكتابة لأن جسده ضئيل , لأنه لا يجيد الملاكمة , من المؤكد أننا جميعا لدينا مخاوفنا و أننا لأننا لا نملك ما يكفي من القوة و أننا كبشر قاصرين نتردد في مواجهة كل ما هو قبيح و وقح في حياتنا , أنا شخصيا أعتقد أن ما نفعله هنا على الانترنيت هو أننا نشتم ذلك الرجل ضخم الجثة و الوقح و الذي لا نستطيع أن نشتمه في وجهه لأننا نخشى أن يضربنا , نشتمه دون أن يرانا أو دون أن يتمكن من ضربنا على الفور . لا ريب أن الفساد , أو غيره من القبح الذي يحيط بنا قوي و وقح , و أننا أضعف منه بمحاكمة أولية بسيطة , لكن هذا يعني أننا سنتردد في شتمه علنا أو في وجهه , لكن أن نمتدح "جمال" هذا القبح فهذه قضية مختلفة تماما . اكتشفت بعد السقوط أنني لا أقاوم القبح لأنني شيوعي بل العكس تماما أنني قد أصبحت شيوعيا لأنني أريد أن أقاوم القبح و الابتذال و التفاهة و النفاق . و لأننا أجبرنا هذه المرة على أن نمارس عملية التفكير المنطقي المستقل و النقدي تجاه كل شيء , أن نستخدمه حتى ضد كل المسلمات التي كنا نؤمن بها , اكتشفت أن الحقيقة و ليس من يتحدث عنها سواء أكان يتحدث بلغة السياسي أو المثقف , أنها هي غايتي و أنه من أجلها أصبحت شيوعيا , لا من أجل أي فرد , بل من أجلي أولا . تعلمنا أن الشيوعي ليس أكثر منطقية و عقلانية من أفراد المجتمع الذي يعيش فيه , و لا أكثر صلابة حتى , و ليس متقدما عليهم بالضرورة , و اكتشفت الجمال عند الناس العاديين وسط كل القبح الذي يحاصرهم . لا تحتاج مقاومة القبح و الابتذال والسفالة إلى كلمات كبرى , و لا حتى إلى جسد كبير و قبضات قوية , إنها تحتاج إلى روح حقيقية , إلى إنسان حقيقي . شيء ما داخلي ما زال يعدني بأنني سأسمع كلمات وليد معماري الساخرة , و الساحرة ربما , و هي تقاطع فاصلا من الكلام المكرر المدبج في مديح القيادة و تصويبها مهما فعلت , بينما يرفض عقلي احتمال أن يحدث هذا , هل سنسمع طرقات وليد معماري على سندانه أخيرا ؟ 


مازن كم الماز - حال البلد

أنت الآن هنا