في ذكرى رحيل درويس : بيروت تحتفي بالغياب

بداية، يُمكن القول إن الاحتفال بالذكرى السنوية الثانية لرحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في بيروت، بدا مختلفاً وجميلاً. الاحتفال، بحدّ ذاته، متواضع. أشبه بلقاء عائلي حميم. يوما الجمعة والسبت الفائتان، حوّلا بيروت إلى صورة فلسطينية تعيد صوغ حكايتها مع النصّ الإبداعي. مساء الجمعة، عُرض الفيلم الوثائقي «كما قال الشاعر» لنصري حجّاج في «مسرح بيروت». مساء السبت، نظّم «أصدقاء الشاعر» احتفالاً أدبياً وفنياً، بعنوان «بيروت تتذكّر محمود درويش» في «مسرح دوّار الشمس». هكذا، ببساطة إنسانية، استعاد بعض المهتمّين بالأدب والفن ذكرى شاعر لا يزال نصّه الإبداعي فاعلاً في الوجدان والمخيّلة والعقل، وفي قلب الإنتاج الثقافي العربي. هكذا، بخفر رومانسي جميل، تحلّق البعض حول شعر محمود درويش، قراءة وشهادة ونقداً وغناءً ورسماً، لساعتين اثنتين جعلتا فضاء المسرح انعكاساً لقوّة الحضور الدرويشي، ومرايا المدينة التي أحبّها الشاعر، فأقام فيها أعواماً عدّة، وكتب فيها وعنها ولها قصائد شتّى.


تنويع 
التنويع المعتمد في أمسية «دوّار الشمس» لافت للانتباه. لا خطابات سياسية. لا تنظير ثقافياً. لا تصنّع تنظيمياً. التشديد على مفردة التواضع نابعٌ من تأكيد أهميتها في تنظيم الحدث. فعلى الرغم من التأخير في توزيع بطاقات الدعوة لأسباب تقنية بحتة، امتلأت القاعة بعدد لا بأس به من المهتمّين بمحمود درويش وبشعره وحضوره الطاغي، فتحوّلت القاعة بناسها إلى ما يُشبه الحيوية والحماسة في الاستماع إلى شذرات مستلّة من نتاج درويش، ومغلّفة بأنماط أدبية وفنية متفرّقة. ولأن الاحتفال متواضعٌ، وتمّ تنظيمه بإمكانيات مادية قليلة، فإن إعمال النقد بمضمون الاحتفال يُمكن أن يؤدّي إلى التغاضي عن أهمية الهاجس والهدف اللذين دفعا إلى تنظيم الأمسية: التواصل مع الشاعر محمود درويش. ومضمون الاحتفال هذا ارتكز على قراءات شعرية قدّمها روجيه عسّاف وجوليا قصّار، تلتها قراءات أخرى لعسّاف وجمانة حدّاد، وهي القراءات التي افتتحت الأمسية بمناخ عابق بمزيج الشعر والإلقاء والأداء المسرحي، وبخليط الذات والروح والمدينة ورائحة التفاصيل الإنسانية المبثوثة في طيات النصوص الشعرية. أما الشهادتان الشخصيتان، فكانتا لزاهي وهبي وصقر أبو فخر: كان يُفترض بهما أن تتكاملا معاً في إضاءة جانب شخصي في العلاقات، أو في قول أمور ذاتية. غير أن وهبي ارتأى قراءة قصيدة كتبها لدرويش بعنوان «أقلام محمود درويش»، استعاد فيها مناخات عامّة ظلّلت نصوصاً للراحل، أو بالأحرى حالات ومواضيع وأشياء حوّلها وهبي إلى بوح ذاتي في مقاربة العلاقة القائمة بينه وبين درويش. أما أبو فخر، فروى قصصاً متفرّقة عن تفاصيل صغيرة كشفت، من وجهة نظره، بعضاً من أساليب درويش في التفكير والمعاينة والعيش اليومي. 
القراءة النقدية التي قدّمها الياس خوري، مليئة بالتحليل والتنقيب داخل النص الدرويشي، وفي انفلاش النصّ هذا على السياق الزمني والتحوّلات الحاصلة. وخوري، إذ اختار «بطاقة هوية» (سجّل أنا عربي) و«عابرون في كلام عابر» و«على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة» تحديداً، غاص في الآثار الجوهرية للعلاقة القائمة بين الشاعر وهويته، وبين الفلسطينيين وبلدهم، وبين النصّ الشعري الدرويشي والكيان الإسرائيلي. لم تقف القراءة عند تحليل داخلي للنصّ، بل ذهبت بعيداً في إعادة رسم ملامح متجدّدة في مقاربة اللغة الإبداعية، وفي معاينة المسار السياسي والاجتماعي والثقافي والنقدي في فلسطين المحتلّة، على ضوء النتاج الدرويشي العام، مع تأكيد دائم على دلالات القصائد الثلاث هذه، وأبعادها الشعرية والسياسية والإنسانية، من دون التغاضي عن قصائد أخرى أيضاً. 
غناء 
لا يُمكن اختصار المداخلة النقدية. فالقيمة السجالـية التي تضـمّنتها، طرحت أسئلة التحوّل (أكاد أقول التطـوّر) الإبـداعي الـتي اختبر محمود درويش منعطفاتهـا ومفرداتها، منذ يفاعته العمرية وانخراطه في الحزب الشيوعي الإسرائيـلي، حتى اللحــظة الأخيرة من حياته. والقراءة النقـدية هـذه تنضمّ، من دون أدنى شكّ، إلى سجِّل النقــاش المفــتوح على قصيـدة درويش ونــصّه الإبداعي، لارتكازها على آلية التـشريح المنهجيّ، والتعليقات النقدية المتعلّقة بنتاج درويش، والارتباط الوثيق بين الإنساني والسياسي والثقافي والاجتماعي والتاريخـي، ودرويش ونصّه وبلده وحياته، من وجهة نظر الياس خوري. 
في ختام أمسية «بيروت تتذكّر محمود درويش»، أنشدت جاهدة وهبه نصوصاً شعرية مستلّة من قصائد متفرّقة للشاعر، كـ«لاعب النرد» و«أحد عشر كوكباً» وغيرهما، في محاولة لإضفاء مسحة غنائية على الاحتفال المذكور، وسط انشغال وهبه بهمّ العلاقة القائمة بين الشعر والموسيقى والغناء، ووسط الاهتمام الملحوظ من قِبلها بالسعي الفني إلى فهم العالم الدرويشي الكامن في نصوصه وأفكاره. والجانب الفني متمثّل، أيضاً، بعشر لوحات رسمها محمد شمس الدين خصّيصاً بالاحتفال المذكور، وضمّنها ألواناً مستلّة من قصائد مكتوبة داخل الألوان والأشكال. 



نديم جرجوره - السفير 

أنت الآن هنا