الفلافل بين الصحافة والمرور والبلدية

سافرت خلال العام إلى تركيا واسبانيا وإيران، وبالرغم من الازدحام الشديد لم يتسنّ لي  سماع بوق سيارة أو مشاحنة مرورية. في اسبانيا أوقفت سيارتنا دورية مرور، لم يكن السائق مسرعاً، تقدّم منه شرطي المرور..حيّاه وأعطاه شيئاً وضعه في فمه ونفخ، ثم رجع الشرطي خطوة إلى الخلف..حيّى السائق وتابعنا السير. فيما بعد، أخبرنا السائق أن الدورية تفحص كمية الكحول لدى السائق. هذا يعني أن الكحول مسموح بها في اسبانيا ولكن بنسبة لاتشكّل خطورة على القيادة.


من جهة أخرى تجدون اختراعاتنا في التحايل على القانون وأساليبنا في تجاوزه، وهي أساليب لاتخلو من استعراض العضلات الذي لايمكن أن يحدث بغير سخاء(!!!). بعد شكاوى متعددة وإصرار متواصل اضطرأحد باعة الفلافل (فلافل الفيحاء) الذي يحتل نصف شارع بارون الفرعي بأدواته التي ينشرها فيه، بما في ذلك(سيبا) وطاولة مليئة بالمخللات واللبن حيث يأكل المارة ويرمون بالبقايا وسط شارع مزدحم، فضلاً عن الرصيف الذي لامكان فيه إلاّ للذين يتناولون وجبة فلافل، اضطرصاحب المحل إلى استئجار موقف سيارة سياحية ، لكنه يحجز  مكان سيارة قاطرة ومقطورة أو مكان بولمن ، أي أنه اشترى الشارع بالموقف المستأجر. المفارقة هنا أن واجهة محله مزينة بعبارات(الحاج....وأبنائه) بدلاًمن :أبناؤه. تحتها عبارة (لااله إلاّ الله والله أكبر..أستغفر الله العظيم وأتوب إليه) تحتها:(ماشاء الله لاقوة إلا بالله). حين سألت الشاب ليفسّر لي سبب حجزه مكان ثلاث سيارات ليست من حقّه، لأعتذر إذا كان كلامه مقنعاً، قال:هذا موقف المحل اتركني  لاأريد أن اتكلم معك. أما والده الحاج البالغ من العمر حوالي ثمانين عاماً( أطال الله في عمره) فقد رفع عكازه في وجهي مهدداً. أصحاب المحل يعدّون المارين من دون تناول الفلافل هم أذى وأصحاب المحل ينفذون ماقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": (عرضت علي أعمال آمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق .......). وبالطبع هذا لاشمل الأذى الذي يلحقونه هم بالمارة. كنت قد اتصلت أربع مرات بالرقم 115 عمليات المرور ووعدوني بالحضور...مرت ساعة ولم يحضر أحد، بالاتصال التالي قال لي المسؤول عن الخط: اتصل بالبلدية الرقم 180 هذا اختصاصهم وسألته هل هذا الخط مفعّل قال: نعم . اتصلت مراراً ولاحياة لمن تنادي. حين عاودت الاتصال بالمرور لأن الرقم الذي أعطاني إياه لايرد، قال لي: غداً اذهب الى البلدية وقدّم شكوى على أصحاب المحل. لقد ظن أنني متضرر بشكل شخصي مما يحدث؟؟؟!!! تصوروا أنا صحفي أنتمي إلى السلطة الرابعة ويقول لي: اكتب شكوى بالمحلات المخالفة؟؟!!! اذا كنت سأكتب شكاوى بكل ماأراه مخالفاً... فماالذي سأفعله بشغلي في الصحافة؟؟؟ يعني هل أنضم لنقابة المشتكين ..... معناها أيضاً يجب ألاّ  يخالف الشرطي أحداً ... عندما يرى احداً يخالف يقول له: ياحبيبي لاتخالف مرة تانية .... ووقتها الشرطي ينضم لنقابة الحبابين.

والا أنا غلطان ؟؟؟

بصراحة لولا خوفي على العجوز الذي بدأت ملامح الضغط ترتفع عنده ماكنت حركت المركبة من  مكانها وسط الشارع حتى تأتي شرطة المروروتحلّ المسألة. ولكن لنفرض أن شخصاً عصبياً وقف موقفي، ألم تكن تحدث مجزرة في ظل تطنيش شرطة المرور عن القيام بواجبها.

بلد الكحول المباحة يعرف كل فرد حقوقه وواجباته، وبلد التقوى تكتفي بالشعارات المعلّقة وتنتهك كل الحقوق. و(التطنيش) يضرب أطنابه من شرطة المرور ومن البلدية، لتبقى طاولات المطاعم تحتل مواقف السيارات والأرصفة إلى أن يصل نبأها إلى قائد شرطة المرور ورئيس مجلس المدينة اللذين نرجومنهما العبور من تلك المنطقة لمراقبة المشهد المزري واتخاذ الإجراءات اللازمة كي لايتم التعدي على الملكية العامة، وكي يحدّد الموقف المستأجر بأمتار معلومة لاتمتد للتعدي على الشارع بأكمله.

 


الكاتب د.جمال طحان كاتب ومفكر عربي سوري للتواصل مع الكاتب هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

أنت الآن هنا