| فهرس المقال |
|---|
| النظام الاجتماعي وعلاقته بمشكلة المرأة العربية |
| nesam2 |
| كل الصفحات |
تتبع غالبية الدراسات حول مكانة المرأة في المجتمع العربي , منهجاً وصفياً يروي لنا بعض الحقائق والاقوال والاراء والمفاهيم وغيرها , ولا منهجاً تحليلياً يفسر لنا لماذا هذه المكانة بالذات . وحين تنزع هذه الدراسات نحو المنهج التحليلي يأتي تحليلها مثالياً , فيشدد بالدرجة الاولى على الثقاةف والتراث والتنشئة , ويتجاهل البنى الاجتماعية وعمليات الانتاج وتوزيع او تقسيم العمل , ويشدد بعض الدراسات على الاستمرارية التاريخية , او التنشئة في العائلة ,او على المعتقدات الدينية , او على تغلب الاعراف القبلية على القيم والمقاييس الدينية , او غير ذلك على صعيد الثقافة .
من أجل التدليل على طبيعة المنهج المثالي , نورد هنا بعض التحليلات حول علاقة الدين بمكانة المرأة : هناك الرأي الديني الذي يقول : " أنما المرأة خلقت من ضلع عوجاء " والرأي الذي يغلب عليه اعتبار الدين عن فرض النظام الأبوي , والرأي الذي ينزه الدين من مسؤولية استعبدا المرأة , ويؤكد العكس , انه حررها وساواها بالرجل , والرأي الذي يقر بأن الدين ثبت الفروقات الطبيعية .
يتمثل الرأي الذي يقول بفرض الدين للنظام الابوي بدراسة مهمة بالانكليزية , للكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي التي ترة ان النظام الأمومي الذي كان معروفاً لدى بعض الجماعات والقبائل في شبه الجزيرة العربية , انتهى بظهور الاسلام , فرسخ النظام الأبوي , وابقى على امتيازات الرجل , ويتمثل الرأي الذي يقول ان الاسلام حرر المرأة , بمقالة للكاتبة المصرية امينة السعيد , التي أكدت ان الدين الاسلامي جاء بمثابة اضخم ثورة اجتماعية في تاريخ الاوضاع النسائية , لا عندنا وحدنا بل في الدنيا بكاملها , فقبل مجيئه .. لم تكن المرأة في اي ركن من العالم اكثر من كائن حي , لا حقوق لها ولا احترام لادميتها , ثم اذا بالدين , الذي ظهر في منطقة صحراوية جرداء يسكنها ناي خشنون على الفطرة , يقلب الوضع رأساً على عقب , ويعترف للمرا' بكامل ادميتها , ويسلحها بالاستقلال الاقتصادي في أوسع معانيه , ويحررها من ولاية الرجل عليها , فيما يتصل بجواهر الحقوق , مثل التعليم والبيبع والشراء والعمل والتجارة , بل واشركها ايضا في تدبير شؤون الدين والسياسة .
ويتمثل الرأي الذي يقر ان الدين ثبت الفروقات الطبيعية بكتابات واقوال عدة فتذكر مجلة الفكر الاسلامي ان الاسلام " سوى بينها وبين الرجل فيما يمكن التسوية فيه .. وفاضل بينهما , فيما لا يمكن التسوية فيه , فأوجب على الرجال الجهاد .. والسعي على العيال , وخفف عن المرأة ذلك , مراعاة لأمكاناتها الجسدية , وظروفها الشخصية وتكاليفها العائلية " .
مقابل هذا المنهج المثالي , هناك منهج اجتماعي يفسر مكانة المرأة في المجتمع العربي بأنها تعود في الاساس لموقعها في البنى الاجتماعية , وتقسيم العمل المعتمد في المجتمع ودورها في عمليات الانتاج , وهامشيتها في النظام العام السائد . رأى قاسم امين ( 1865- 1908 ) في مطلع القرن , ان وضع المرأة هو جزء من الوضع العام الذي يقوم بسيطرة القوي على الضعيف , وأشار الى علاقة اضطهاد المرأة بأشكال الاضطهادات الاخرى . فنبه بقوله : انظر الى البلاد الشرقية تجد ان المرأة في رق الرجل , والرجل في رق الحاكم , فهو ظالم في بيته , مظلوم اذا خرج منه " . وفي الوقت الحاضر وبعدما بدأ القرن العشرون يشرف على الانتهاء , تقول لنا خالدة سعيد في لغة الاغتراب , ان المرأة العربية كائن بغيره لا بذاته , فتحدد هويتها بالنسبة لكونها " زوجة فلان او بنت فلان او أم فلان او اخته , وان وضعها يرتبط بالنظام الطبقي , فحيث تكون العلاقات علاقات بين سيد ومسود , يصعب ان تجد فيه المرأة الحرية الحقيقية وان تستعيد فيه انسانيتها , فتعاني بذلك " اغترابين , اغتراباً طبقياً واغتراباً على صعيد البنية التحتية في نطاق الاسرة , فهي عبدة العبد " .
وتتضح علاقة وضع المرأة بالنظام العام من استنتاج نوال السعداوي " ان تحرير المراة , لا يمكن ان يحدث في مجتمع رأسمالي , وان مساواة المرأة بالرجل لا يمكن ان تحدث في مجتمع يفرق بين فرد وفرد وبين طبقة وطبقة , ولهذا فأن اول ما يجب ان تدركه المرأة ان تحريرها هو جزء من تحرير المجتمع كله من النظام الرأسمالي " .
ورغم اهمية تأكيد العلاقة بين مكانة المرأة والنظام السائد , فأن هذه الدراسات الاجتماعية لم تتمكن بعد من تقدين نظرية متكاملة منهجية تربط بين النظام العام والثقافة , والعوامل النفسية والعقلية , ومكانة المرأة الدونية هذه , بعد ان تشدد نوال السعداوي على النظام العام والمسببات الاقتصداية والاجتماعية , تعود لتشدد على العوامل النفسية والشخصية فتقول لنا أن " عدم نضج المرأة وعدم نضج الرجل " هو السبب الرئيسي وراء معظم الانحرافات والمشاكل الاجتماعية والنفسية والجنسية , فيتحول احساس الرجل بايجابيته الى مبالةغ في السيطرة وميل الى الانانية والسادية ( الرغبة في الايلام ) وتزيد من أحساس الرمأة بسلبيتها لتصبح مبالغة في الخضوع والماسوشية ( الرغبة في استشعار الألم ) .
وفي ضوء هذا المنظور الاجتماعي , سنبحث طبيعة علاقة مكانة المرأة الدونية بالبنى الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع العمل والمشاركة في عمليات الانتاج .
أولاً : انماط المعيشة : موقع المرأة في البادية والريف والمدينة
تجرد مختلف انماط المعيشة في المجتمع العربي ( البادية , الريف , المدينة ) واشكال توزيع العمل المعتمدة فيها المرأة من حقها , بتحمل مسؤوليات الجهاد , والسعي وتأمين الرزق والنهوض باعباء الوطن . وعلى الرغم من تشديد القبيلة في البادية على العصبية , وقرابة الدم والمساواة والبساطة في توزيع العمل , فأنها حرمت المرأة من المشاركة على قدم المساواة بالرجل في القتال والغزو الذي شكل تاريخياً المصدر الاساسي للدخل في البادية .
وفي سبيل ترسيخه لعملية اضعافها , اعتبر المجتمع ان المرأة فصيحة اللسان , ومصدر الكيد والفتنة , وقال انها " رضعت وابليس من ثدي واحد " وانها سبب العلة والمسؤولة عن الخطأ . وأشترط الرجل البدوي على زوجته ليلة زفافه قبل كل شئ , ان تحترم والديه وتخدمهما وتطيعهما . وفيما عدا الحرب فأن المرأة تعد جميع وجبات الطعام , وتهتم بأنزال وترتيب ونقل جميع مقتنيات العائلة بما فيها الخيمة , كما تهتم بالرعي , وحلب وسقاية الابل والحياكة , وقد تذهب الى الأسواق فتبيع وتشتري , , ولكن الرجل يصطاد ويذبح الحيوانات ويسلخها فقط ويحارب ويدرس ويعمل لقاء أجر ويخدم في الجيش والحرس الوطني , بسبب هذه المسؤوليات , يتمتع الرجل بالاضافة الى ما ذكرنا بانه يأكل ويشرب القهوة قبل النساء , ويعيش حياة متنوعة خارج الخيمة .
ويخالف دور المرأة في الريف انما ليس نوعياً , وللحد الذي يجعلها مشاركة في مسوولية الانتاج . تقتضي مهمات العمل الزراعي في الريف ان يعمل جميع أفراد الاسرة , الرجال والنساء والكبار والصغار معاً , وتتعدى مهمات المرأة الاعمال المنزلية الى الاهتمام بالمواشي والمزروعات وجني المحاصيل والبيع والتبضع في الاسواق والحياكة والخياطة والاحتطاب وجلب المياه ( حيث لا تصل الى المنازل ) وغيرها من الاعمال , التي لا تتقاضى لقاءها اي اجر , غير اننا بدأنا نلمح بعض التطورات في اتجاه تقاضي الاجور بعد هجرة الرجال للعمل في الدمينة او خارج البلاد .
ولا تزال المرأة محرومة في الواقع من حق توارث الاراضي وتملكها , ولا تزال عرضة لجرائم الشرف والزواج دون موافقتها , والعقاب حين لا تتقيد بالتقاليد المتبعة , وهي لا تزال مضطرة للتظاهر بعدم امتلاك السلطة حتى حين تملكها . انها في الوقت الحاضر تستمد مكانتها الخاصة ليس من مسؤولياتها ومشاركتها النادرة في العمل الانتاجي , بل من كونها اما وابنة واختاً , ولكنها مثل الارض رمز للخصب فتعطي أكثر بكثير مما تأخذ . وحتى الوقت الحاضر لا يزال يصدق القول القديم ان " الرجل نهر والمرأة سد " فهي ليست المصدرفي عرف المجتمع , وفي الاذهان انها تحصد وتجني ,انما ليس لنفسها .
وحرمان المرأة من المسؤولية والاجور لقاء اعمالها في البادية والقرية , ربما فاق حرمانها في المدينة , رغم ما اسبغ على المرأة من مظاهر التحرر , وكانت نساء الطبقات الفقيرة وما زلن يعملن لقاء اجور زهيدة , وتكاثر عدد نساء الطبقات المتوسطة المنبثقة العاملات في التعليم والادارات العامة والخاصة . اما نساء الطبقات الغنية , فكن وما زلن مترفات دون مشاركة في الانتاج , منصرفات للتسلية والرياضة والسفر وتبادل الزيارات واقتناء الجواهر والازياء الحديثة ورموز الثراء . وفي جميع الحالات المرأة هامشية في مراكز النفوذ السياسي , والنشاط التجاري والحرفي والعبادة. ثم ان عملها خارج المنزل هو امتداد لعملها داخله فيغلي عليه طابع الخدمة كما في التعليم الابتدائي والتمريض والسكرتارية والادراة والخياطة والحياكة وحفظ المواد الغذائية .
ويبقى عمل المرأة على الرغم من تزايده مسانداً لعمل الرجل , وبضغط من غلاء المعيشة , وتأمين السكن والحصول على المستوردات الاستهلاكية والتخفيف من اعباء العائلة او تحسين اوضاعهما بالتنافس مع العائلات الاخرى . في أوساط العائلات الفقيرة , تسلم المرأة العاملة راتبها للرجل , المسؤول الذي يعيد اليها جزءا صغيرا منه , مصروفاً خاصاً , كما لو انه يمنحها اياه من جيبه الخاص , وفي حالة الطبقات الوسطى , تعمل المرأة لتساعد اهلها او زوجها ولشراء ما تحتاج اليه من ثياب وحلي وادوات زينة وغيرها مما تزداد الحاجة اليها . وترتفع اثمانها في مجتمع تنافسي استهلاكي . ولا يزال هناك ميل واضح بين نساء الطبقات الغنية نحو التعالي عن العمل وتضيل اللهو في عالم جاد .