لا أعتقد أن السيد معن حيدر المدير العام الحالي للهيئة العامة والتلفزيون لم يطرح على نفسه أكثر من سؤال عندما تم إعفاءه قبل سنوات من مهمته التي كان يشغلها كمدير عام لهذه الهيئة عما فعل عندما كان في هذا الموقع، وعما كان يجب أن يفعله، وربما حاسب نفسه على أخطاء حدثت كان يجب ألا تحدث سواء في أفعال قام بها أو كان يجب عليه القيام بها، أو قرارات أصدرها ، وكان عليه ألاّ يصدرها ، وغيرها لم يصدرها وكان عليه أن يفعل..إلخ، وربما اتسعت دائرة محاسبته لنفسه وسؤاله إياها عن ثقة منحها ل(فلان) وما كان يجب عليه أم يمنحها، وثقة حجبها عن (علاّن) وما كان يجب أن يحجبها!.. ومرّت على خاطره مواقف وأحداث وحوارات ولقاءات كان لها تقييمها المختلف عما كان عليه هذا التقييم وقتها!.
. والأهم ربما استذكر أشخاصا ومفاصل إدارية فكان لها تقييمها المختلف أيضاً عن ذلك التقييم الذي كان عندما كان مديرا عاما!.. وبالتأكيد استمع إلى الكثير من الأقوال التي نقلت له والتي رحبت بإنهاء تكليفه سابقاً، وبعضها ممن كان يعتبرهم أصدقاء أوفياء وقدم لهم خدمات!!.. بالمقابل ربما لم تنقطع علاقته بآخرين كانوا أوفياء للمعرفة إن لم يكن للصداقة!..
باختصار.. أعتقد أن أيام.. ومن ثم سنوات ما بعد إنهاء تكليف السيد معن بمهمة المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون كانت مليئة بالحوار مع الذات،وربما أحياناً محاسبتها بقسوة وبالتالي استخلاص الدروس والعبر والتمنيات مثل: "لو فعلت كذا، ولم أفعل كذا.. لو لم أستمع لهذا أو ليتني استمعت لذاك..أو ليتني تركت هذا وذاك واستمعت إلى ما يمليه عقلي وما أراه في مصلحة العمل ... إلخ"!..
لذلك فالسؤال المطروح اليوم هو:
- هل سيستفيد السيد معن حيدر من الدروس والعبر التي استخلصها بنفسه ومن حواراته مع ذاته ومحاسبته لها؟!.. أم أنه سينساها ويعاود سيرة عمل انتقدها بعدما تركها ، وكان حتى وقت قريب مؤيداً لكتابات انتقدت حال التلفزيون وما آل إليه اليوم، فيترك هذه المهمة ولو بعد سنوات دون أن تكون له بصمته في وسيلة إعلامية لا تزال تواجه العديد من الانتقادات المعروفة سواء فيما ظهر للناس منها، أو ما كان مخفيا منها وراء الكواليس؟!..
إنني أعتقد أن الأيام.. والسنين التي انقضت من مسيرة السيد معن حيدر المهنية سواء عندما كان مهندسا في التشغيل أو رئيسا لدائرتها، ومن ثم مديرا للتلفزيون قبل أن يصبح مديرا عاما، ومن بعد ذلك إعفاءه من هذه المهمة ثم إعادته إليها قد زادته خبرة ومعرفة في الإعلام بشكل عام وفي التلفزيون بشكل خاص،وبالعاملين في هذا التلفزيون وبمفاصله الرئيسية بشكل خاص أكثر، لذلك نتوقع منه أداءً مختلفا عما كان عليه في الفترة السابقة، وخبرة في مواجهة التحديات القائمة أو التي سيواجهها ، للنهوض بالتلفزيون العربي السوري الذي كان ولا يزال شاغل الناس بدءا من إداراته المعنية مباشرة أو غير المعنية، وانتهاء برجل الشارع العادي، مرورا بالعاملين فيه وفي الإعلام وبالمواطنين من مختلف شرائحهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذلك فمن أبرز التحديات المفروضة على السيد حيدر برأينا هي ما يلي:
- إعادة الناس إلى الشاشة السورية بعد أن ابتعدوا عنها، وأرجو عدم الثقة ببعض الاستطلاعات التي ترفع نسبة مشاهدة الفضائية السورية إلى نسب لا تحظى بها أية محطة فضائية في العالم (نحو85% مثلاً)!.. والسيد حيدر يدرك جيدا مواقف المواطنين من هذه الشاشة لجهة الرغبة في مشاهدتها!..
- الصراعات المعلنة أو الخفية بين مفاصل وإدارات التلفزيون!..كذلك بين العاملين فيه!..
- وضع حد للدسائس والنميمة التي تسيطر على أجواء التلفزيون والعاملين فيه!.. ولا أذيع سرا إن ذكرت أن العاملين في التلفزيون يتحاورون في مشكلاتهم الشخصية ويتبادلون الاتهامات والدسائس والنميمة أكثر مما يتحاورون في كيفية الأداء أو البحث عن جديد إلا إذا كان لهم مصلحة شخصية في ذلك، وعلاقات العمل السيئة أمر معروف وواضح في التلفزيون!..بل أن هناك إدارات تقرب إليها من ينقل لها (دساً ونميمة أكثر) وتعتبره من حاشيتها لاعتقادها أنه يريد مصلحتها ، وتنسى أو تتناسى أن من يدّس لها يدّس عليها ، و(الدّساس) يمارس رذيلته لكل من له عنده مصلحة ..!
- سيطرة بعض الإدارات بشكل أو بآخر على العديد من البرامج!..
- تقييم أداء الأشخاص وإمكاناتهم حسب قربهم من بعض الإدارات أو بعدهم عنها!.. بالتالي من الضروري إعادة تقييم معدّي البرامج ومقدميها حسب كفاءاتهم وخبراتهم وقدراتهم المهنية!.. واختيار محاورين لكل موضوع بحسب كفاءتهم وليس بحسب أي شيء آخر!..والاهتمام بالتخصص فلا نكرّس المذيع الذي يفهم في كل شيء!..
- إعادة تقييم البرامج بغض النظر عن مقدّميها أو معدّيها!..
- التنسيق بين معدّي البرامج وموضوعات برامجهم التي يمكن أن تتكرر سواء في موضوعاتها أو ضيوفها!..
- إعادة النظر بتكليف أشخاص بإدارات لا علاقة لهم بها إلا من خلال ما تدره عليهم من (بونات)!..
- وضع حد لنزيف الأموال من خلال برامج لأشخاص لا علاقة لهم بهذه البرامج وإلغاء بدعة الإشراف ، هذه البدعة التي اخترعها مدراء ليقبضوا من خلالها، في الوقت الذي يجب أن تكون هذه المهمة من وظيفة المدير التي يقبض على أساسها راتبه ، ويتمتع بمزايا منصبه!!..
وأختم بتحديين إضافيين آخرين سيواجههما السيد معن حيدر بالتأكيد وهما:
- التداخلات أو التدخلات التي يمكن أن تتم لصالح هذا المدير أو تلك المذيعة أو ذاك البرنامج..إلخ...
- مصداقية الحاشية التي ستحيط به، ومن بعضها إدارات، وإلى أي حد هي تمالئه وتنافقه وتتملقه في وجهه بينما تدّس عليه عندما يغيب!..
لذلك وأمام هذه التحديات نجد أن المهمة ليست سهلة، لكننا نعود لنقول أن ما يمكن أن يكون المهندس حيدر قدر استنتجه واستخلصه من دروس وعبر في الفترة اللاحقة لإعفائه من مثل هذه المهمة سابقا قد تفيده في التعامل مع أمراض هذا التلفزيون العديدة، وأولها وأصعبها صراعاته، وأيضا كما يقال (مافياته) وكما أن لكل مفصل ( مدير ) جماعته، أيضا له مرجعيته التي تتبناه وتدافع عنه وتحميه!!..
إن التلفزيون العربي السوري وسيلة إعلامية هامة عليها أن تقوم بدورين رئيسيين معا وهما:
- مواكبة النهوض والتألق السياسي السوري.. بل ما بات يمكن تسميته بالمدرسة السياسية السورية العليا بقيادة وإدارة السيد الرئيس بشار الأسد وما حققته من نجاحات محلية وعربية ودولية..
- مواكبة التطورات الاقتصادية بإيجابياتها وسلبياتها، وبرأيي أن الحديث عن السلبيات يخدم السياسة الاقتصادية السورية كما الحديث عن الإيجابيات، لأنه يكشف عن أخطاء أو قصور يمكن في حال استمراره الإضرار بهذه السياسة، وتجميل السلبيات أخطر على النهج الاقتصادي من كشفها!..
والمهم في هذين الشأنين ليس عدد البرامج، بل مضامينها، وخبرة معديها،وتخصصاتهم، ومقدراتهم المهنية والحوارية!..
باختصار..
- هناك مشكلات... وهناك أمراض...وهناك صراعات ... وهناك تدخلات ... وهناك تراكمات... وهناك مواقع إدارية وسطى تسللت وتسلقت وتنافق كل إدارة جديدة فتمنع عنها رؤية ما يجب أن تراه إلا من خلالها... وهناك كوادر مدعومة تتصدر الشاشة في إعداد برامج وحوارات، وتبقى المسيطرة بالرغم من عدم كفاءتها المهنية... وهناك وجوه جديدة يتم ضخها باستمرار دون إعداد وتأهيل وكفاءة...وتشكل في مجموعها تحديات على المهندس حيدر أن يواجهها فمن أين سيبدأ وكيف ومن سيقف بصدق إلى جانبه ؟..
سؤال مطروح نعتقد أن المهندس معن حيد يفكر فيه كثيراً، وقد شكلت الفترة التي ابتعد فيها عن إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مدرسة نرجو أن يكون قد تعلم منها الكثير الذي يفيده في مهمته الجديدة، وباعتقادي أن الصدمة ستكون أخف إذا أعفي من منصبه مجدداً، وسيكون مرتاح الضمير أكثر، وستكون محاسبته لنفسه أقل، لأنه فعل ما كان يجب أن يفعله وينسجم مع قناعاته، واتخذ القرارات التي يجب أن يتخذها ويرى أنها لمصلحة الشاشة، وواجه التحديات بعزيمة الخبير والعارف والدارس!...
وأختم بالشعار الليبرالي المعروف الذي يتخذه دعاة اقتصاد السوق شعاراً لهم بالرغم من عدم إيماني بالمطلق به ، وهو: " دعوه يعمل.. دعوه يمر!.." وأعتقد أنه يصح توسيع دائرة استخدامه ليشمل الإدارات أيضا.. ومنها مهمة مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون..
ف/دعوه يعمل...
(كُلـّنا شركاء) 14/4/2010