| فهرس المقال |
|---|
| في مشروع تفتيت سورية (1): الاستعلاء الديني والفتنة الدينية والطائفية.. |
| تفتيت سوريا |
| تفتيت سوريا |
| كل الصفحات |
سبق وقلنا أن مشروع أمراء الطوائف حافل بالاستعلاء الديني 
والتمييز الطائفي (بين الأديان، وبين الطوائف) في كل بند فيه.
ويحط من المرأة إلى مستوى "غانية بأجر طويل الأمد"، بلا أية
حقوق، ويشرع الإتجار بالأطفال واغتصاب الطفلات، الأمر الذي
اعترض عليه البعض بأنه مبالغة، وأننا نسقط آراءنا الخاصة على
المشروع، ونقوله ما لم يقله.
بدءا من هذه المادة، سوف نتناول بالتفصيل ما سبق أن قلناه، ونبرهنه أولا بأول. مظهرين أية رؤية ظلامية حاقدة على الحياة نفسها صاغت هذا المشروع، مدعية أن ذلك هو الإسلام، ومسقطة عقدها وأمراضها الخاصة على المجتمع السوري الذي حقق نقلة كبيرة إلى الأمام في الواقع، عجزت عن استيعابها بعد أن رمت خلفها تلك الأصولية الميتة، رغم بعض القضايا الهامة التي نعمل من أجل تجاوزها، مثل العنف والتمييز ضد المرأة، العنف ضد الأطفال، "جرائم الشرف"، حق الجنسية لأطفال المرأة السورية، وغير ذلك..
تنشر بالتعاون مع موقع نساء سوريا
نبدأ بما هو الأكثر خطورة في هذا المشروع، وهو "الاستعلاء الديني والفتنة الطائفية".
نقصد بالاستعلاء الديني (وقد حاولنا هنا فعلا أن نستخدم أكثر الكلمات "لطافة")، اعتبار أصحاب اعتقاد ما أن كل من هم على غير معتقدهم هم أناس أدنى منهم. وهو ما يعبر عنه عموما بـ"شعب الله المختار" التي حملت دلالات سياسية خاصة نتيجة للوضع الخاص المتعلق باليهود في "إسرائيل".
ودون الخوض في تفاصيل جانبية، من المهم القول أن مثل هذا الشعور هو أمر طبيعي في جميع المعتقدات المغلقة وشبه المغلقة. ولا يثير اعتراضا ولا يتسبب بأية مشكلة في الواقع طالما بقي شعورا يخص أصحابه وتفاصيل علاقتهم مع اعتقادهم. إلا أن انتقال هذا الشعور إلى الحيز العملي المجتمعي، إلى التعامل مع الآخرين، وخاصة إلى القانون الوطني، يحوله مباشرة إلى مستوى آخر تماما، هو مستوى احتقار الجماعات الأخرى، واضطهادها، وتهميشها، وما إلى ذلك.. وهي العبارات التي طالما سمعناها عن معتقدات معينة، إلا أن مشروع القانون هذا، يطبقها بشكل صريح وواضح. فكيف ذلك؟
قبل إظهار ذلك يجب الإشارة إلى مسألة هامة جدا، هي أن اللجنة السرية تلك، وبتواطئ من المسؤولين الذين وافقوا ضمنا أو علنا على مشروع تفتيت سورية، قامت بعدة ألعاب تضليلية بهدف إظهار الحملة التي تواجه مشروعها كما لو كانوا لا يعرفون عما يتحدثون. فقد أجريت بضعة تعديلات طفيفة، منها حذف استبدال كلمة "ذمي" بكلمة "كتابي"، ومنها تغيير صيغة بعض المواد، وحذف بضعة مواد لا تقدم ولا تؤخر، مما أدى إلى تغير كلي في ترقيم المواد. وبالتالي صاروا يضللون بالقول: إنظروا، المادة التي يشيرون إليها بالرقم كذا، رقهما كذا! كما لو كان لديهم نصا آخر مختلفا عما نشرناه. والواقع أن الاختلافات بين النص الحقيقي المنشور، والنص "المروتش" الذي يدعونه، غير موجودة، باستثناء ما ذكرناه، وخاصة تغيير أرقام المواد.
وسنعتمد نص المشروع الذي نشرناه. وفي حال وجود نسخة، أو بعض من نسخة بين أيديكم تختلف في أرقام المواد، يكفي أن تبحثوا في أرقام المواد القريبة مما نثبته هنا لتجدون المواد كما هي.
إضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أننا هنا، وفي المقالات اللاحقة المتعلقة، لا نناقش علاقة أي من الأفكار الأصولية المتطرفة التي بثت في المشروع، بالعقيدة نفسها. فهذا شأن آخر. إلا أننا نعيد رفضنا لتقديس مفهوم لتقديس "الشريعة الإسلامية" الذي يشكل كتلة ضخمة غير متجانسة، ومتناقضة أحيانا، تضم كل ما وضع خلال قرون من الزمن في الفكر الإسلامي. وبالتالي فالمفهوم، وجل مضموناته، لا تقع في خانة "العقيدة" بل في خانة التصورات البشرية لحلول معينة في ظروف معينة.
وأيضا، لا بد من الإشارة إلى أن الأصولية المتطرفة التي ظهرت في هذه اللجنة ومشروعها الأسود، لاقت أصولية متطرفة من المذاهب والطوائف والأديان الأخرى. بعضها كان رد فعل فقط على طائفية المشروع. وبعضها الآخر كان في الواقع نزوعا طائفيا وجد في الأصولية المتطرفة هذه فسحة ليعبر عن طائفيته.
ما يجب تأكيده هنا أننا في هذه المقالة، أو في أي من المقالات اللاحقة، نرفض بإطلاق المحاصصة الطائفية سواء بين الأديان أو بين الطوائف. فما نريده هو قانون للجميع كمواطنين ومواطنات، وليس عشرات القوانين التي تخص كل دين وكل طائفة كما لو كانت كل مجموعة دينية أو مذهبية تعيش في دولة مستقلة.
وأخيرا، فإن إظهارنا للاستعلاء الديني وتبيان الفتنة الطائفية في المشروع، لا يعني أننا نوافق على تغييرات قد تفهم من السياق، وتبنى على أساس طائفي أو محاصصة طائفية. وفي كل مرة قد يبدو ذلك من المناقشة اللاحقة، يكون الأمر متعلقا فقط بتبيان الأمر، وليس بالموافقة عليه.
1- الاستعلاء الديني:
في مواد المشروع الـ 665، وضعت اللجنة السرية المرعية من قبل رئاسة مجلس الوزراء ولوبي التطرف الديني في سورية، 617 مادة خصصتها لمن سمتهم "المسلمين"! بينما وضعت مادة واحدة (619) سمتها "أحكام خاصة بالطائفة الدرزية"، و 34 مادة عنونتها بـ"أحكام خاصة بالطوائف المسيحية"، و9 مواد عنونتها بـ"الأحكام الخاصة بالطائفة اليهودية". وضمتها جميعا تحت "كتاب" واحد سمته "الكتاب الحادي عشر، أحكام خاصة"، تضمنت أيضا المادة (617) التي تشكل حد ذاتها لغما متفجرا ، وسنتناولها لاحقا.
إلا أن المواد الـ (617)، لم توضع تحت عنوان واحد، مثلا: "أحكام خاصة بالطائفة المسلمة"، أسوة بما نص عليه تجاه الأديان أو الطوائف الأخرى. بما يجعل المواد هذه منطبقة على الجميع، مسلمين وغيرهم، إلا ما نص عليه في "الأحكام الخاصة" بهذه الطائفة أو تلك.
وبما أن هذه المواد جميعها، أو جلها، هي مواد مصاغة على أساس رؤية طائفية بحتة، فإن على جميع السوريين والسوريات، مهما كان دينهم أو طائفتهم، الخضوع لهذه الرؤية. وهو ما نظهره هنا.
يفاخر المسلمون عموما بأنهم يعترفون بجميع الأنبياء "السماويين". وهي مفاخرة محقة على العموم، لكنها تتحول لدى الأصوليين التكفيريين إلى سلاح إضافي في احتقار الآخرين والعمل على إخضاعهم. فهذا "الاعتراف" مشروط لدى هؤلاء بأن يكون في السياق الذي يتصورونه. وبما أن لأتباع الأنبياء الآخرين تصوراتهم العقائدية حول سيرة أنبيائهم وتعاليمهم، فإن الاعتراف ذاك ينقض فورا إذا لم يوافق هؤلاء "الآخرون" على تصورات الأصولية نفسها. وهم طبعا لا يوافقون، وإلا لتخلوا عن عقائدهم انضموا إلى الأصولية الإسلامية.
من هنا، يرسم الأصوليون "الآخرين" على أنهم قاصرون وغير جديرون بالمساواة معهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وبالتالي لا يمكن أن تكون لهم الحقوق نفسها والواجبات نفسها فيما يخص حياتهم المجتمعية. وهذا يعني أن الفصل بين "الآخرين"، بصفتهم خطائين، وبين "العرق النقي" الأصولي هو أمر لا بد منه.
هذا بالضبط ما ترجمه المشروع عبر عشرات المواد في نص المشروع الطائفي الاسود.
أولا: حرمان المسيحيين واليهود من الزواج بمسلمات (المواد: 63، 92)، بينما يمكن للمسلم الزواج من امرأة من أي دين آخر! بل حتى أن "ردة" الزوجة بعد الزواج لا تستلزم طلاقها (مادة 234)! وفي هذا تمييز مطلق طالما أن ما نتحدث عنه هو قانون "الأحوال الشخصية".
كذلك المادة (230)، التي يحكم بندها الثالث بفسخ الزواج إذا كان الزوجان من غير الأديان الثلاثة، وأسلم الزوج، ثم لم تتبع المرأة أحد هذه الأديان. بل حتى إذا "امتنعت عن إبداء الرأي بعد إعلامها"! بل يصل البند الخامس من المادة نفسها إلى حد القول "إذا كان الزوج غير أهل لعرض الإسلام عليه فسخ القاضي الزواج بينهما دن عرض"!
لا يكفي ذلك. بل إنه بإمكان المسلم أن يفعل ما يحلو له بالمرأة غير المسلمة. إلى حد أنه بإمكانه أن يتزوجا خارج المحكمة (بعقوبات بسيطة طبعا)، ومن ثم ينكر زواجه منها. فإن فعل ذلك ليس هناك أية إمكانية أمام المرأة لإثبات زواجها به. إذ لا يقبل تأكيدها مهما فعلت طالما أن الزوج المسلم قد "جحده"! وفي الاتجاه المعاكس، إذا قرر الزوج أن يعترف بزواجه منها، ثبت نهائيا.
وهذا التمييز يعيد في الواقع إلى عصر "السبايا". لكأن النساء غير المسلمات لدى من وضع المشروع ومرره وما زال يعتمده كورقة أساس في انتظار جولة أخرى، لكأنهن مجرد سبايا يمكن لرجال المسلمين أن يفعلوا بهن ما يشاؤون.
ثانيا: إصدار "حرمان" مبرم بمنع من لا يتبع لإحدى الديانات السماوية من الزواج، دون أن يسميهم بشكل دقيق. فبالنسبة للفكر الأصولي في سورية لا يجود أصلا من لا يتبعون إلى أحد الأديان السماوية: فالناس إما مسلمين أو مسيحيين أو يهود، أو: مرتدون! (استثنينا "الدروز" لأننا سنتناول مشكلة تسميتهم أدناه). وتسمية كل ما عدا الأديان السماوية بـ"المرتدين" يدل بوضوح على أنهم، بالنسبة للأصولية التكفيرية في اللجنة السرية وداعميها، ليسوا إلا "مسلمين انتقلوا إلى دار الحرب"، وبالتالي وجب "القضاء عليهم"! سوى أنه لا يمكنهم قنونة كيفية "القضاء عليهم" بالطريقة التي يحبذونها في سورية 2009، فجعلوا هذا الحكم عبر إعدامهم ببطء بحرمانهم من الزواج!
ثالثا: اعتبار غير المسلمين غير جديرين بالتواصل القانوني مع المسلمين، بما أن الأصل في المشروع التكفيري هو الانتماء الديني والطائفي، وليس المواطنة. بما يعني أن من هو غير مسلم هو بالضرورة ليس مواطنا. ففي المواطنة لا توجد درجات: إما مواطنا/ة، أو لا.
فبينما يمكن لـ"العدل المسلم ذكرا كان أو أنثى" (مادة 270) أن يثبت الولادة، لا يمكن لغير المسلم أن يثبتها إلى بوجود شهادة "رجلين، أو رجل وامرأتين" (وفق البند الأول من المادة نفسها).
وفي المجال نفسه، لا يمكن للزوجة المسيحية أو اليهودية المتزوجة من مسلم، في حال الطلاق، أن تحضن طفلها لأكثر من أربع سنين بأي حال من الأحوال (م 293)، بينما يمكن سحب الحضانة منها في أية لحظة إذا ادعى الزوج أنه يخشى على طفله "أن يألف غير الإسلام وإن لم يعقل معنى الأديان" (المادة نفسها). بل إن المادة (394) تذهب إلى إمكانية الحرمان الكلي للزوجية المسيحية أو اليهودية من الحضانة بإطلاق، بنصها على "تقتصر الحضانة على الأم المسلمة فقط إذا خشي على المحضون أن يألف غير دين الإسلام وعاداته"!
وأيضا، لا يمكن شهادة المسيحي أو اليهودي على عقد زواج يكون الزوج فيه مسلما، إلا إذا كانت الزوجة من أحد هذين الدينين. بل وفقط في حالة لم يتوفر "شهود مسلمين"! وهو ما نصت عليه بوضوح المادة (38) من المشروع الأسود.
في الولاية على الزواج، يمارس المشروع احتقارا علنيا قل نظيره تجاه المسيحية واليهودية، حين تقول المادة (48)، المعنونة بـ"الولاية في الزواج"، البند الرابع: "تجوز ولاية الذمي (تم استبدال الذمي في النسخ التضليلية بـ"الكتابي") على موليته الكتابة ولو كان غير دينها". و"غير دينها" تعني تحديدا اليهودية. إذ لا يمكن، وفق المشروع الطالباني، أن تكون هناك ولاية لمسيحي على مسلمة! بل إن ذلك هو من باب "الجواز"، فقط. أي يمكن سحب هذه الإمكانية في أية لحظة.
في الخطبة يمكن لأي مسلم أن يعقد خطبته على أية امرأة، مسلمة كانت أو مسيحية أو يهودية، دون قيد أو شرط، ومن ثم يعقد زواجه عليها دون تحديد فترة زمنية بين الخطبة والزواج، يرى أصوليو المشروع أن هذا "حقا" للمسلمين فقط دون غيرهم. فبينما تكتفي المادة (28) بالقول "يجب إشهار الخطبة"، دون وجود اية قيود أو شروط من أي نوع، تؤكد المادة (620)، وهي أول مادة في الباب المعنون بـ"أحكام خاصة بالطوائف المسيحية"، على أن وزير العدل سوف يصدر "قرارا بالتعليمات اللازمة لذلك"، أي لإشهار الخطبة! ويؤكد البند الثالث من المادة نفسها على أنه "لا يجوز عقد الزواج إلا بعد خمسة عشرة يوما من تاريخ إشهار الخطبة"!
لا يتوانى المشروع الأسود عن تضمين صيغ أخرى "احتقارية" تتلبس لبوس الإنسانية. فالمادة (131) تقول أن "على" الزوجة زيارة والدها إذا كان مريضا واحتاج ابنته، "حتى لو كان الأب غير مسلم"! كما لو أن عقيدة غير المسلم هي انتقاص "طبيعي" من قيمته، فتفضل المشروع "بتكريمه".
الأمر نفسه في المادة (155) التي تقول أن نفقة الزوجة على زوجها "ولو كانت كتابية"! كذلك في عدد من المواد الأخرى..
ثالثا: التسميات هنا تأخذ حيزا هاما بما لها من دلالات تاريخية متراكمة، إضافة إلى دلالاتها التمييزية. فالمسودة الأصلية حفلت بصفات مثل "ذمي، كتابي". ومن ثم حذفت كلمة "ذمي" واستبدلت بـ"كتابي" إضافة إلى الإبقاء على "كتابي" حيث وردت أصلا.
ورغم شيوع هذا التوصيف، إلا أنه في الحقيقة ليس إلى تجنبا صريحا وواضحا لتسمية المسيحيين باسمهم البسيط: مسيحيون. واليهود كذلك. وهذا بحد ذاته يتضمن الفكر الأصولي نفسه الذي لا يعترف أصلا بالعهدين القديم والجديد كما هما معتمدين من قبل أتباع الديانتين. وبالتالي فإن الأصولية التطرفية تلك تنزع عنهما انتماءهما إلى الأديان التي يعترف بأنبيائها الإسلام نفسه. فبدلا عن أن يكونوا "مسيحيين"، أي هم أتباع السيد المسيح، أو "يهودا" أي منفذي تعاليم يهوه، يصيرون مجرد "كتابيين" تحتمل تبعيتهم الصحة والخطأ مبدئيا، وهي خاطئة حكما فعليا.
رابعا: لم يكتف الفكر الأصولي التكفيري الذي وضع المشروع، وتبناه وسوقه، ويحاول اليوم المراوغة فيه، أن وضع الأديان الأخرى في مرتبة تحت مستوى "المسلمين"، وأنكر إمكانية وجود من هم خارج إطار الأديان السماوية الثلاثة حتى من الأديان الأخرى كالبوذية مثلا، بل إنه اعتبر من حقه (الفكر الأصولي) أن يرسم للآخرين من منظوره الاستعلائي ما يجب أن يفعلوه وما لا يجب أن يفعلوه. بالطبع ليس على قاعدة المواطنة التي هي أعلى من انتماءات الأفراد الدينية، بل من منطق السلطة الدينية الطائفية لمجموعة تعتقد أنها "مكلفة" بقيادة البشر وفق هواها.
على هذا النحو جرى تحديد "عدة" للمرأة المسيحية المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، وهو أمر غير معتمد في العقيدة المسيحية. كذلك جرى وضع "موثق" للخطبة والزواج مدني (وزارة العدل)، فيما لم يضع مثل ذلك للمسلمين! وجرى اعتبار كل طفل يلد مجهول الأبوين، ايا كان مكان إيجاده والمحيط الاجتماعي الديني لهذا المكان، طفلا مسلما بالضرورة. وغير ذلك.
وهناك الكثير أيضا مما يدخل في إطار الاستعلاء الديني، اكتفينا منه بالأمثلة أعلاه.