حال البلد - غسل التعب عن بردى ...

حال البلد

لافتة إعلانية
28
Oct

غسل التعب عن بردى ...

سبق أن عرفت دمشق العديد من المبادرات الهامة ذات الطابع الاجتماعي أو البيئي قامت بها جمعيات ومؤسسات مجتمع مدني وشارك فيها فنانون ومثقفون بارزون، وكان آخرها الفعالية الهامة التي نظمت في الحديقة البيئية مقابل قلعة دمشق. لكن الحملة التي جرت في السادس عشر من تشرين الأول تحت عنوان: (لنغسل التعب عن بردى) تميزت بعمل شارك فيه بحماسة متطوعون ومتطوعات من مختلف الأعمار، جاء بعضهم مع أفراد عائلته. وقد تمركز هذا العمل على مسير مجرى بردى بدءاً من قلعة دمشق وصولاً إلى باب السلام فباب توما.

شملت الحملة إضافة إلى العمل التطوعي نشاطات وفعاليات أخرى فنية وثقافية، شارك فيها أكاديميون وفنانون جاؤوا مع طلابهم وقاموا برسم النهر في مواقع مختلفة.
هذه الحملة كانت خطوة أوسع في الاتجاه الصحيح، إذ قدمت دليلاً جديداً على مدى استعداد شعبنا للعطاء، وكانت مؤشراً آخر على ما يمكن استنهاضه من طاقات مجتمعية كامنة، عندما يتحقق نوع من التعاون والتكامل بين الوزارات والهيئات الحكومية المعنية وبين مختلف مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني. 
وغني عن البيان أن هذا التكامل يتحقق ويعطي أُكُلَه عندما تعمل هذه الوزارات والهيئات وفق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وتسعى لاجتذاب وتشجيع القوى الاجتماعية ومؤسساتها ذات المصلحة في تحقيق هذه الأهداف، والمستعدة والمتشوقة لأداء قسطها في هذا المجال.
ومن نافل القول إنه لا يمكن لأية دولة مهما بلغت من الغنى وامتلكت من إمكانات، أن تنهض بكل المهام وحدها. بل إن قدرة أي بلد على السير في طريق التطور والتقدم تقاس بمدى قدرته على استنهاض قوى المجتمع وتمكينها من المشاركة الملموسة في عملية التوعية وبناء البلد والمجتمع، وبخاصة في مشاريع التنمية المستدامة. 
إن ما هو طبيعي ومرغوب فيه ومطلوب هو أن يتواصل ويتزايد مثل هذه الفعاليات التطوعية وتحت عناوين مختلفة، وأن تتسع المشاركة فيها. فهي بقدر ما تسهم في نشر أشكال من الوعي المتقدم وتُنمّيها، فإنها تعزز ثقة المواطنين بأنفسهم وبقدرتهم على الفعل والعطاء، كما تعزز روح المواطنة ومشاعر المحبة والتآخي والتنوير، في مواجهة ما يراد تصديره لنا من انغلاق وتزمت وتعصب. 
نعم إن بردى الغالي يستحق منا جميعاً عدم توفير جهد لمسح التعب عنه وإعادة ضخ الحياة في شرايينه، ليعطي دمشق ما سبق أن أعطاها وما تستحقه من الجمال والتألق، ولكننا نود أن نذكّر أيضاً، في هذه المناسبة، بأنه ليس وحده التعِب من بين أنهارنا. فالفرات ودجلة والعاصي وبحيرة قطينة وقويق والخابور وجغجغ وغيرها، كلها في غاية الإرهاق والتعب ويعاني أغلبها أيضاً، إن لم يكن كلها، من الاعتداءات الجائرة والتلوث، ومن تحويلها إلى مكب نفايات ومصارف صحية. ومن المفارقات المؤلمة ما رواه أحد العاملين الأجانب في موقع آثار في محافظة دير الزور، فقد هاله وصدمه، كما قال، وهو جالس في أحد مقاهي دير الزور، أن يرى النفايات ومياه الصرف الصحي ترمى في النهر مباشرة دون أي شعور بالذنب. وشرح كيف أن السوريين قبل آلاف السنين، كما يشهد الموقع الأثري الذي يعمل فيه، كانوا يدفعون بمياه الصرف الصحي في أنابيب من الآجر المشوي والكتيم ويوجهونها بالاتجاه المعاكس لمجرى الفرات، لتصب في حفرة كتيمة من النوع نفسه وبحيث يحال دون تسرب هذه المياه الملوثة إلى التربة المجاورة.
أوليس من حق أجدادنا وواجباً علينا أن نكون أوفياء لهم، فنسعى لأن نكون جديرين بهم، فنحذو حذوهم ونستفيد منهم؟

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا