حال البلد - الكوكب المصاب بسكانه أم بأطماعهم ؟

حال البلد

لافتة إعلانية
17
Dec

الكوكب المصاب بسكانه أم بأطماعهم ؟

انعقدت ولمدة أسبوع أكبر وأطول قمة لدراسة التغيرات المناخية التي طرأت على غلاف الكرة الأرضية ، الذي بات تتهدده دورة كربونية قاتمة ، تتمثل في انبعاثات غاز الكربون الذي رفع حرارة الكرة الأرضية درجات باتت تتهدد الحياة برمتها على وجه هذا الكوكب الأزرق ، الذي صار يختنق ويحترّ بوتيرة ، صارت تهدد حياة النوع عليه ، وكل البشر !!


قمة عالمية غير مسبوقة ، نحاول ملاحقتها ، ورصد دوافع انعقادها ونتائجها ، من خلال هذا العرض الذي نأمل أن نحيط من خلاله بأبعاد هذا المؤتمر ، وما يحيط بالمحيط الأرضي عموماً من أخطار حمل نذرها منذ عام 1860م وليس الأمس .. ولكن هذه النذر الخطرة لم يستشعرها المجتمع الدولي بصورة جدية إلا بعد انعقاد المؤتمر الدولي للأمم المتحدة ، المتعلق بالبيئة البشرية ، في عام 1972 بمدينة ستوكهولم ، عاصمة السويد .. هذا المؤتمر الذي دق ناقوس الخطر المحدق بالبيئة والذي سبقه إعداد استمر على مدى عامين كاملين حفل بنشاط عالمي شمل المجتمعات الصناعية والدول النامية حول المسلك البشري الواجب اتباعه في البيئة .. وفي هذا المؤتمر الذي انعقد قبل 37 عاماً وفي غيره من المؤتمرات البيئية والمناخية ، حتى المؤتمر الذي انفض اخيراً في كوبنهاجن ظهرت الخلافات والاختلافات واضحة وكبيرة حول المسببات والمسؤوليات ، وحتى التبعات التي يجب أن تتحملها الاطراف أو الدول المشاركة في هذه المؤتمرات !!.

ففي مؤتمر 1972م ، اختلفت الدول المصنعة والدول النامية حول المسالك البشرية الواجب اتباعها للحفاظ على البيئة والمناخ .. فقد رأت الدول الصناعية ضرورة أن تبقى الدول النامية دون خطط تصنيع ، لأن ذلك يؤدي إلى تلويث البيئة بالغازات الكربونية ما ينتج عنه مضاعفات وأضرار في مجالات عيش الإنسان المختلفة .. إلا أن الدول النامية اعتبرت هذا (الصراخ) بأهوال التلوث لامبرر له ماداموا في الدول الصناعية يتمتعون بمستوى معيشة مرتفع .. بل وارتفعت اصوات بعضهم في إفريقيا وامريكا اللاتينية بالقول (مرحباً بالتلوث) الذي يرفع مستوى معيشة ابناء مجتمعاتنا .. واذا كان مؤتمر (ستوكهولم) هذا لم يغير شيئاً ، قبل نحو أربعة عقود ، من واقع المشكل البيئي المناخي ، إلا أنه تميز ، بصدور الإعلان العالمي للبيئة ، وكان له الفضل في تنمية الوعي بطبيعة مشكلات البيئة وأساسها ، هذا المؤتمر الذي يعد منعطفاً تاريخياً ، أرسى دعائم فكر بيئي جديد ، يدعو إلى التعايش مع البيئة والتوقف عن استغلالها ، البيئة التي اعطاها مؤتمر ستوكهولم فهماً متسعاً ، بحيث اصبحت تدل على منظومة متكاملة من العناصر والمصادر الطبيعية اللازمة للحياة في الكوكب الذي صار اليوم وبعد 37 عاماً على صفيح هو أحر من الجمر ، نحو تتبع احواله وحرارته وتغيراته المناخية ، من وجهة نظر حيادية ، ولكن تهمها مصلحة الكوكب المشتركة لكافة المكونات الحية على ظهره ، وبكل تجرد وبدون النظر والوقوف كثيراً عند الدوافع الاقتصادية والسياسية المتهمة بصورة أو أخرى في طيات ملف هذه القضية المناخية ..

إذا كان معظم الناس يعتقدون عشية انعقاد اجتماع كوبنهاجن الأخير حول المناخ أن العوامل البشرية هي المسبب الأول لتدهور حالة المناخ على حالتها الراهنة المأساوية ، ولكن هناك فريقا آخر فاجأ القمة ، قبيل انعقادها بأيام بأسباب أخرى لتغير المناخ ، ترفع التهمة عن الإنسان في هذه الواقعة البيئية ، اولئك هم الذين يدفعون بالعامل الطبيعي الدوري لتغير المناخ مابين فترة وأخرى قد تفصل بينها قرون ، أو الفيات من السنين ، ولكن ذلك لايغير شيئا من الواقع الحزين للأرض ومناخها الذي تبدّل وتطرف واستبد وتجبّر !! وإذا كان في اجتهادنا المتواضع أن الدورة المناخية بعيدة المدى قد تكون سبباً من الأسباب المحتملة للتغير المناخي ، فإننا لانهرب إليها لتبرئة اليد البشرية العابثة بمكونات البيئة الأرضية ، ولكن نورد وحسب مقارناتنا ومقارباتنا ، اعتماداً على شواهد جيولوجية ، أكدها العلماء ، من أن بعض جهات الكرة الأرضية ، شهدت تبدلات مناخية وطبيعية من هذا الحجم وأكثر في فترات سابقة .. ويكفي إفريقيا للدلالة على دور هذا العامل الطبيعي في تغيير ملامح المناخ الإفريقي عدة مرات في السابق من تعاقب الفترات المطيرة على الصحراء الكبرى ، ومنها الصحراء الليبية التي كانت ماطرة وجارية بالانهار الهرهارة قبل آلاف السنين ، وإن ملامح السطح في ليبيا لم تكن كما هي عليه اليوم ، حتى أن البحر كان يداعب أقدام الجبل الغربي وان حيتانه الضخمة لاتزال شاهدة على علاقة البحر وقربه من الجبال الليبية وسهول خليج سرت .

إن الأمر ليس دعابة جيولوجية ، ولكنها حقيقة نستشعرها كلما وجدنا صدفة بحرية في جالو واوجله وسرت وسهل الجفارة ، تدعمها بعض الاحفوريات البحرية المكتشفة لهياكل عظمية لحيتان ضخمة ، لانظن انها تعيش إلا في مياه او بحيرات عميقة ..

ظن تدعمه فرضيات أن النفط الليبي والصحراوي ، من الجزائر إلى جزر الخليج العربي ماهو إلا نواتج تحلل بقايا احفورية معظمها حيوانات برية وبحرية .. وهو ماتدعمه الدفوعات القريبة من هذه الفرضية التي قدمها بعض علماء البيئة والمناخ عشية انعقاد قمة كوبنهاجن المناخية .

لكن حتى وإن صح هذا الافتراض فإنه لاينقص ابداً من المسؤولية الجنائية لعبثية الإنسان التي اعتدت على البيئة بكافة مكوناتها ومنها المناخ .. وفي هذا تفصيل نستسمحكم في ايجازه في الآتي :

البيئة بصورة عامة هي مجموعة العناصر الطبيعية في الأرض ، مثل الماء والهواء والتربة والمعادن ومصادر الطاقة والنباتات والحيوانات .. وهي ايضا رصيد الموارد المادية والاجتماعية المتاحة في وقت ما ، وفي مكان ما لاشباع حاجات الإنسان وتطلعاته ، ولما كان الهواء أحد المكونات الأساسية للمحيط بصورة عامة والمناخ بصورة خاصة فإننا سنقف عنده قليلاً ، لأن انخرام توازنه صار أمراً محيراً وخطيراً ، فالهواء مخلوط ، يشمل كل المكونات الغازية للجو ، بما في ذلك بخار الماء بنسب متجانسة ، حيث يمثل غاز النيتروجين حوالى 78% ، وغاز الاكسجين حوالى 20% وغاز ثاني اكسيد الكربون بنسبة ضئيلة حوالى 0.033% ، إلى جانب غازات أخر بنسب متفاوتة ، والذي يهمنا من مكونات الهواء الرئيسة الثلاثة وهي الاكسجين ، والكربون ، والنيتروجين ، هو ماحصل لدورة الكربون ، التي تعرضت لاعتداء الإنسان على دورتها الطبيعية ، فكلفة ذلك الاعتداء هذا العقاب المناخي الصارم .. فقد ثبت وبما لايدع مجالاً للشك أن نسبة غاز ثاني اكسيد الكربون في الهواء الجوي قد تغيرت نتيجة للنشاطات البشرية في الصناعة واستخدام الآلات .. ففي سنة 1860م ـ وياحسرة على هواء ذلك الزمن الطبيعي الجميل ـ كانت النسبة المئوية الحجمية لثاني اكسيد الكربون في الهواء الجوي ، ودققوا جيداً في فواصل الارقام ، تقارب 0.029% ، وفي سنة 1958م قدرت هذه النسبة حوالى 0.031% ، وفي سنة 1970 ازدادت إلى حوالى 0.033% ولكن في سنة 2000م قيل ـ والله اعلم ـ إنها وصلت إلى 0.0375% !! وهو مايعني اخلالا فادحا في مكونات الهواء ، كانت وستكون له ابعاد كارثية على الكرة الارضية .

إن ارتفاع نسبة الكربون في الغلاف الجوي يعني الارتفاع الوسطي لمعدل درجات الحرارة فوق الأرض بمعدل درجتين في كل عقد ، وهذا لايعني الاستمتاع المؤقت بترويقة مناخية دافئة مؤقتة ، ولكنه يعني استمراراً مضطرداً في الاحترار المناخي ما سيهدد أصل الحياة على الكوكب البشري .. إنها إذن مسألة حياة أو موت وليست فقط متابعة لأمر عابر محدود وهو ماوعته الفاعاليات المجتمعة في كوبنهاجن تماماً ، لانها تدرك أن ازدياد موجات الحر والجفاف والفيضانات والاعاصير ازدياد غير طبيعي والتي وضعت أمامها مؤشرات مناخية خطيرة جداً منها أن ازدياد موجات الحر منذ عام 1950 وارتفاع عدد الليالي الحارة في جميع انحاء العالم وازدياد عدد الاعاصير المدارية منذ عام 1970 وزيادة الكميات المطرية المتساقطة على بعض المناطق خلال الـ 15 سنة الأخيرة خصوصا في شرقي امريكا الشمالية والجنوبية وشمال اوروبا وشمال ووسط آسيا وانخفاض معدلاتها في مناطق أخر في الساحل الغربي لإفريقيا وشمال إفريقيا والبحر المتوسط وجنوب إفريقيا واجزاء من جنوب آسيا .. جفاف ، وارتفاع متوقع لمستوى سطح البحر ، وهي من اشد الانعكاسات للتغير المناخي ، عندما لفت الانتباه الأخطار المحدقة بإفريقيا والعالم خصوصا تلك التي سببت في جفاف بحيرة تشاد التي كانت يوما سادس اكبر بحيرة في العالم ولكنها وبسبب الجفاف المستمر وزيادة الري الزراعي انكمش حجمها خلال الـ 35 عاماً الماضية إلى عشر حجمها متى صار لايتجاوز 2400 كم2 ، وهو ماأضر كثيرا بالزراعة، والري في تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر ، أو تلك التي تهدد المناطق الساحلية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر مثل مناطق الدلتا في مصر وغيرها التي ستزداد ملوحة مياهها الجوفية ، ما يؤدي إلى هجرة الملايين منها وضياع اراض تقدر قيمتها المبدئية بـ35 مليار دولار .

تغير مناخي لاتقف اخطاره واضراره عند الحرارة والجفاف وارتفاع مستويات البحار ، بل تتعداها إلى اضرار صحية خطيرة متمثلة في زيادة الامراض والاوبئة في العالم ، مثل الاسهال والملاريا والكوليرا وغيرها ، كما أن زيادة الحرارة على معدلاتها ستوجد اضطرابات تنفسية شديدة عند سكان المناطق غير المعتادة عليها .. اضرار بيئية وصحية وغذائية بسبب تغيرات مناخية تنذر ـ ووفق التقديرات الدولية ـ بانخفاض المحاصيل الاساسية التي يعتمد عليها السكانبأعتبارهاغذاء رئيسيا مثل الذرة في غانا والسودان واريتريا واثيوبيا والسودان وزامبيا وغامبيا وغيرها .

إن الكرة الارضية في محنة حقيقية ، وان الاضرار التي لحقت بها سواء كانت بفعل دورة مناخ طبيعية او بفعل الإنسان وعبثه بمكونات البيئة فانه امام كارثة حقيقية وليست افتراضية بدأت تظهر نذرها وآثارها الوخيمة فيما تقدم عرضه وهو ماجعل دول العالم في مؤتمر كوبنهاجن كبيرها وصغيرها امام خيار واحد وهو الاتفاق على صيغة توافقية مهما كان حجم اعبائها على هذا الطرف او ذاك ، المهم أن تنخفض غازات الكربون في خلال العشر سنوات القادمة بنسبة 30% كحد أدنى ، القمة مازالت متواصلة أو قد تكون انتهت بين لحظة وأخرى ، ولكن الجدل لن ينتهي والخطر لن يتوقف الا اذا توقف البشر عن الاعتداء على البيئة التي ماظلمتنا ولكن نحن الظالمون ونحن المقصرون في حق كوكبنا الذي مزقنا أمنه وهدوءه بالحروب وازيز الرصاص والطائرات ودوي المدافع التي احالت سكون ليله إلى نهار مشتعل بالقنابل الحارقة الخارقة للابدان والأذان والاوزون الذي صار يتوجع ايضا من خرق طبقته بغازات الفريون .. انها جريمة مركبة نرتكبها في حق كوكبنا الهادىء الجميل لولا مافعلناه به ، الكوكب الذي يحتاج إلى جزء من ميزانيات الحروب لكي نهذب انبعاث الكربون ، ويحتاج لشىء من اموال الرفاهية لتوفير المعدات التقنية لتنقية انبعاثات دخاننا ، ويحتاج إلى قليل من الاحساس بالمسؤولية وإيقاف هدير محركات سياراتنا وإطفاء مداخن مصانعنا لبضع دقائق في اليوم حتى نحس بآلام هذا الكائن الكوني المسكون بالإشعاعات والنفايات والكربون. فهل تسمعون ؟!!



 المصدر : تحليل


أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا