التهلكة الحقيقية

ماتت ريما الفتاة الحلوة في حادث سير.... قال الشيخ الوقور معزيا أهلها: الحمد لله يا عم لقد جاءت ساعتها.

مات المختار أبو فيصل وهو يقطع الطريق الفرعي المؤدي إلى بيته صدمته دراجة نارية مهربة تسير بسرعة قياسية قال رئيس البلدية بأسف معزيا هيه لقد انتهى الأجل.

 

 

ماتت أم جميل بعد إصابتها بعيار ناري أطلق إبان احتفالات الحارة الشمالية بالفوز على الحارة الجنوبية بكرة القدم قال المعزون: لقد نفذ ماؤها في هذه الدنيا.

مات أبو ليلى بعد اختلاطات مرضية ألمت به بعد أن أجرى عملية في فتحة الشرج ...قال مدير البنك:قدره ونصيبه.

لم يستطع أحدا قول شيء ولا الرد على مقولات المعزين إلا بالإيماء والموافقة البلهاء, حسنا ولكن ماذا بعد بل ماذا قبل, قبل أن نلقي اللوم على القدر والنصيب والساعة والماء لا بد أن نسأل أنفسنا سؤالا قد يبدو للبعض مزعجا في أحسن الأحوال وكفرا بواحا في أسوءها ,

هل قمنا يا ترى بما يجب علينا لمنع ما حدث هل كان بالإمكان تفادي ما حدث هل ما حدث فعلا خارج عن نطاق السيطرة والمعالجة.

قبل أيام كنت أتابع برنامجا في محطة تلفزيونية يحكي قصة حادثة انفجار طائرة مدنية ذهب ضحيتها عشرات الضحايا من الركاب وقد فجع أهالي الضحايا وحزنوا وولولوا كما العادة ولكن الملفت أن القدر والنصيب والماء والساعة والأجل غابوا جميعا وحضرت المحكمة التي توجه إليها ذوي الضحايا ورفعوا دعاوى تطالب الجهات المختصة والمسئولة التحقيق في سبب الحادث والذي أدى لخسارتهم الفادحة قبل السؤال عن أي تعويض مادي, وأصر الأهالي على المحكمة التي شكلت لجنة لا بل لجان للدراسة وبعد جهد مضني استمر لعدة (سنوات) وبعد تحليل دقيق استخدم فيه الحاسب (لتمثيل الحادث ومحاكاته يشكل نموذجي) وباستخدام أحسن البرامج ثبت أن الحادث سببه عطل (ليس فني) بل عطل تصميمي تقني تتحمل مسؤوليته (ليس شركة الطيران) بل الشركة المصنعة للطائرة من هذا النوع مما دفع المحكمة لتغريم الشركة المصنعة التي دفعت مبلغا كبيرا وأجبرت على تغيير ملموس في خط إنتاجها وتعديله لتلافي الخطأ في الطائرات القادمة عداك عما سببه الأمر من إحراج معنوي للشركة إضافة للخسائر المادية.

من المؤكد أن كل هذه التحقيقات والسنوات من العمل لن تعيد الأموات ولن تفيدهم كما لم تعيدهم ولن تفيدهم الساعة والماء والنصيب والأجل ولكن هذه التحقيقات كشفت عن السبب وبالتالي ستنقذ أرواح العشرات بل المئات من أن يصيبهم نفس المصير تاركين لأحبائهم الحزن والبكاء.

ما أرده من هذا السرد هو بيان الفرق بين مجتمع يحكمه العلم والقانون والمعرفة وأخر يحكمه الجهل والخرافة والتواكل وبيان قيمة الإنسان في كل منهما.

حسب علمي كل ديانات الوحي (وغير الوحي) تؤكد دائما على حياة الإنسان وقيمتها العالية ضرورة المحافظة عليها ولا معنى هنا للاحتجاج بالتمسك بأصول الدين من ناحية التسليم بالقضاء والقدر والنصيب لأن العقائد الدينية يفترض بها المحافظة على حياة الإنسان والكلام ليس نظريا بل يتطلب عملا وجهدا وتحليلا وبناء مجتمعات متطورة وطرق سير أمنه وتطبيق قانون حقيقي لمنع التهريب ومعاقبة فعلية تمنع إطلاق العيارات النارية حتى لو فازت البلد على المريخ وعدم إعطاء شهادة (قيادة مركبة) لكل من سولت له نفسه ورفع سوية التعليم الجامعي كي ينتقل الخريج من مجرد دارس لتاريخ العلوم إلى باحث حقيقي يؤمن بالعلم والسبب والنتيجة قبل الإيمان بالماء والساعة والعفاريت و كي لا يصار إلى إعطاء شهادات خلبية لمن شاء (الهوى) له ذلك وتطبيق القانون على الجميع كي لا يتحول القانون إلى مزمار قد يأتي يوم لا يطرب له أحد, لا أعتقد أن ما ذكرته يتنافى مع حشمة الدين والأخلاق ووقارهما إلا إذا كان للضالعين في الجهل والخرافة والتواكل رأي مختلف.

أذكر رجلا مفعما بالوقار وتخاله يشرشر فهما ومنطقا دار بيننا حديث قلت له أعتقد أن أي حادثة وفاة يجب أن يحقق بها ولا بد من معرفة الأسباب ولو استمر البحث سنوات لا بد من الدخول في التفاصيل ومعرفة الأسباب وتحليلها بدقة لا كي نعيد الميت بل لكف الأذى عن الأحياء ولمعالجة المشكلة إن وجدت وبعد ذلك نقول له الرحمة, عندها استهجن الرجل الرزين مقالي ووضع يده على كرشه وبكثير من العنجهية قال:نحن نسلم بالقدر والقضاء ونقول لا ترموا أنفسكم في التهلكة ومضى يهز رأسه , أدركت سريعا أن الجلوس ووضع اليدين على الكرش إن وجد وقول هيه جاءت ساعته..نفذ ماؤه.. جاء نصيبه ...جاء الأجل أسهل بكثير من التحليل الدقيق والمعرفة والقدرة على معرفة المسئول وهي التهلكة التي يقصدها صاحبنا وصاحبكم

 

أنت الآن هنا